م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


عبد السلام دخان/صداقـــات بالصدفـــة

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

عبد السلام دخان/صداقـــات بالصدفـــة

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأحد 6 يناير - 7:15

قصة قصيرة


صداقـــات بالصدفـــة


عبد السلام دخان/طنجة/المغرب







اعتدت الجلوس كل ظهيرة قبالة نافذة باهرة الضوء، تنفتح على بحر يمنحني سلوانا، فتتراخى نفسي في مقهى لا تشبه باقي البنايات المنتشرة على طول شاطئ مرتيل.

نصف ساعة كانت كافية لتمتلئ مقهى "الشمس والبحر" عن آخرها.

لا غرو في ذلك فاليوم هو نهاية الأسبوع ،والكل يبحث في مرتيل أو "الرينكون" عن دفء زجاجة نبيد، أو امرأة فاتنة.

بالقرب مني جلس شاب في مقتبل العمر، رأيته يشعل أكثر من سيجارة، ويحدق بين الفينة والأخرى في ورقة مستنسخة من جريدة مغربية يومية.

كنت أرغب في دعوته لترك عادة ألحقت أضرارا بمختلف الجرائد، بل إني فكرت في كتابة رسائل إلى رؤساء التحرير لمنع نشر الكلمات المتقاطعة، لكني عدلت عن الأمر، وحين رآني شاردا قال لي:

- من فضلك هل تعرف ما تعنيه سوداء في كل الفصول.

اقتربت منه أكثر، قرأت ما كتبه عموديا وأفقيا، وبعد جهد جهيد توصلت إلى الحل.

ابتهج كثيرا، وبعد أيام أصبحنا صديقين عاشقين للكلمات المتقاطعة ،أو المتقطعة لا يهم.

على الأقل فهي تحمي ذاكرتي وتجعلني أتذكر أسماء كتب وأعلام نسيتهم بعد سنوات العطالة وانشغالي بتدريس أطفال في أقاصي الجبال.

الجو مكتئب هذا المساء، وصلت غرفة التجارة والصناعة متأخرا، فرغم أن المسافة الفاصلة بين تطوان وطنجة قصيرة، إلا أن الحافلة مددتها أكثر من اللازم وكادت تحرمني من ندوة" كتابة طنجة".

القاعة ممتلئة عن آخرها، بعض الوجوه أعلافها من شاشة التلفاز، وأخرى قرأت لها أو عنها في بعض المجلات والملاحق الثقافية ،والمدونات الالكترونية.

اخترت مقعدا في الجانب الأيسر، وجلست أنصت لمداخلة تحدث فيها صاحبها عن علاقته بشكري الكاتب والإنسان.

بالقرب مني كانت امرأة على الأكثر في الأربعين من عمرها تجلس متوترة، قالت بصوت خافت:

ـ إنهم لا يعرفون محمد شكري الذي أبدع في كتابة السيرة الذاتية .

لقد كان "رحمه الله" صريحا لا يهادن أحدا، ولا يحب دسائس المثقفين ومكرمهم، صحيح أن مؤلفاته: الخبز الحافي، السوق الداخلي، زمن الأخطاء، مجنون الورد... تسرد تفاصيل حياته، لكنها تكشف طبائعه، وسلوكه الذي كان يتوافق مع حقيقة حياته التي قضى جزءا مهما منها مابين المقهى، والحانة والبيت.

إنهم لسبب تافه يركزون على علاقته ببول بولز ويتناسون علاقته بجان جنيه وتينسي ويليامز...

شكري كشف لنا عوالم طنجة العميقة والسرية ،وجعلنا نرى عاصمة البوغاز في مراة مكسرة. واليوم صار كل من صافحه، صديقا له...يدعي معرفته بكل تفاصيل حياة شكري وهمومه الأدبية والاجتماعية...

لقد كان شكري ضد كل أشكال الاستغلال والأخلاق المزيفة، لأنه كان عاشقا للحرية.

لم أستطع إيقاف سردها لحياة الراحل، ولا الإنصات إليها باهتمام، لكنها تنبهت للأمر فدعتني إلى خارج القاعة.

بعد حديث قصير علمت أنها تعمل مراسلة لإحدى وكالات الأنباء، وكانت صديقة لشكري. أعطتني عنوان بريدها الإلكتروني، ورقم هاتفها وهكذا أصبحنا أصدقاء.

في بهو غرفة التجارة والصناعة كانت هناك مجموعات صغيرة تتجادل حول قضايا مختلفة. اقتربت من إحداها، سلمت عليهم بحرارة..

كانت الحديث مرتكزا حول هيئة الإنصاف والمصالحة ،ودورها في ترسيخ قيم التسامح وطي ملفات سنوات الجمر والرصاص ،حينما كان العمل السياسي منطقة محرمة لا يقربها إلا الراسخون في النضال والحالمون باشتراكية عادلة.

كنت أنظر في عيون أستاذ أعرفه منذ أمد بعيد ملتهب بالعمل الجمعوي والسياسي، ومختص في أدب السجون.

كان لازال مصرا على اعتبار ما حدث - هنا والآن - ثمرة لسنوات التعب ،والموت والاختطاف، ومعاناة قاسية لا يمكن التقليل من أهميتها، وان كنا نطمح لمجتمع أكثر حرية وديمقراطية.

لو أكن أطمئن لجواب نهائي، وباضطراب مقصود كنت أكسر خطية الحديث لأناس أصبحت بالصدفة صديقا لهم.

عادة كلها تأخرت ليلا، اخترت القطار وسيلة للعودة إلى مدينتي، ولأني هذه الليلة أخذت تذكرتي في ساعة مبكرة، فقد تمكنت من الجلوس وحيدا في مقصورة من الدرجة الثانية.

الصوت الأنثوي الرخيم يعلن عبر مكبر الصوت المنبعث من مقصورة القطار عن انطلاق الرحلة من طنجة إلى الدار البيضاء ،لكني لا اعرف لم يتجاهل ذكر اسم مدينة عريقة قيل أن أصولها رومانية ويكتفي بالذكر محطة مولاي المهدي .

بعد انطلاق القطار بلحظات فتحت شابة سمراء باب المقصورة، كانت تمسك بذراع رجل على الأرجح زوجها.

لم تكن تتردد في بذل أقصى جهدها من أجل راحته. رائحة الخمر جعلتني أفكر في تغيير مكاني ، لكني تذكرت سهر الليالي في حانات تطوان و... فعدلت عن الأمر.

تساءلت مع نفسي أية خبرة اكتسبتها هاته المرأة لتجعل زوجها ينام بسرعة وكأنه في فراشه.

كنت قد انتهيت من قراءة مجلة أدبية وضعتها جانبا غير أنها سرعان ما استأذنتني في قراءتها.

لست أدري لم توقفت طويلا أمام نص فصصي لكاتب طالما كتب عن الحب والطفولة والبوادي وأشياء أخرى.

نظرت إلي من فوق نظراتها الصغيرة وقالت:

دائما أتساءل كيف يمكن لكاتب أن ينشر غسيله في المجلات الأدبية والملاحق الثقافية.

هذه القصة لا تتوفر على أدنى شروط الخلق الإبداعي، وأي قارئ يستطيع أن يدرك انعدام التوافق بينه وبين الواقع النصي.

البساطة لا تغني أبدا السهولة، هذه القصة تجميع لأكليشيهات وجمل ركيكة، لذلك تشعر أن كل حرف تقرأه يسقط من أعلى النص إلى حافة العدم، وبدل أن تجعلك القصة القصيرة تستمتع بجماليات التصوير ،تجعلك هذه القصة تشفق على صاحبها الذي فقد القدرة على الخلق والإبداع.

أدركت للوهلة الأولى مدى تميز هذه المرأة، وأدركت مع توالي كلماتها وعيها العميق بأجناس الإبداع وبفن القصة القصيرة على وجه التحديد.

لم تحدثني عن نفسها، بل اكتفت بالقول أنها لأستاذة الأدب الفرنسي بكلية الآداب بمدينة القنيطرة.

فيما استمرت في سرد عناوين أعمال قصصية قالت أن مرجعيتها فلسفة الأنوار، وليس محاكاة الواقع على نحو سيء.

فجأة توقف القطار بالقصر الكبير، ودعتها بتلقائية مستغربا كيف يمكن للإنسان أن يكتسب صداقات بالصدفة.



http://laghtiri1965.malware-site.www/archive/2008/1/433107.html
الزمان اللندنية 2007/12/14



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 21 أكتوبر - 9:41