م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


مصطفى ملح/بين الرّؤية و الرّؤيا

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

مصطفى ملح/بين الرّؤية و الرّؤيا

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الثلاثاء 30 أكتوبر - 13:08

بين الرّؤية و الرّؤيا



1- المدينة تقطر شعرا :
كنت متعبا . رميت محفظتي في الركن اليتيم . كان البيت ضيّقا مثل زاويّة محبوسة بين حائطين متعامدين . على الحائط ، عينا الموناليزاغائرتان مثل غديرين جافين . وجهها يائس كفارس مصلوب في صحراء بعيدة ..
ثم نمت نومة طويلة ، طويلة ..
رأيتني أتمشّى في شرايين المدينة . كان الوقت ضحى . أسوارها العالية وطرقاتها الواسعة المعبّدة والمارّة المبتسمون وواجهات المعارض العريضة : كان كل شىء متناسقا ، متكاملا ، ومدعّما بالسحر الذي فيه . مدينة أفلاطونية تستقرّ بالفعل والقوّة بين الصّراط الحادّ الفاصل بين الصّحو واليقظة .
كانت المدينة - في النوم – تقطر شعرا
مررت بالمحكمة الابتدائية – بناية ضخمة مكتوب في أعلاها بخط أندلسيّ فاتح (هنا ميزان عدلٍ للألى ظلموا / مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن ).رأيت الناس يدخلون مكتئبين ويخرجون بحبور؛ فكأنهم يدفنون رفات أحزانهم ويخرجون مهرولين لإشعال أعراس قصيّة ..
في الجانب الاخر تستقرّ محلبة أنيقة كتب في أعلاها : ( المجد للأطعمة المعلّبة / مستفعلن مستعلن متفعلن ) بعد ذلك سمعت هرجا بالكاد تتبيّنه الأذن ، رأيت صبية يتبعون الصوت فتبعتهم : عربة الكارّو يجرّها حصانان يمشيان بإيقاع رتيب ،على العربة فساتين ومأكولات ، تحفّ بالعربة نسوة بأبهى زينة ينخرطن في تصفيق احتفالي هاتفات ٍ: ( هنيئا لك الفرحُ المشتهى يا عروس / فعولن فعول فعولن فعولن ) : تأمّلت أولئك النّسوة ألفيتهنّ غليظات وفرحات . ألوان قفاطينهنّ تسقط فوق رؤوس الرجال كالرحمة . وحدي – كما يبدو- لم أكن أرغب في تلك الرحمة ،يومئذ .
شعرت بتعب شديد . قبل الدخول إلى المقهى أثارني اسمها : ( مرحبا بالزّبائن في قلب اللذة / فاعلن فاعلن فعلن فعلن فاعلن ) . شربت قهوتي بانتباه شديد نتيجة صوت أمّ كلثوم الذي كان يتهادى بين الطّاولات كأنه يبحث عنّي ، ربما لأني آخر الذين يتركهم مصيرهم للزمن . ( حسيبك للزمن ) . كان صوتها عاتيا ، مزمجرا ،مليئا بالدّيناميت والكبريت والنار.
تركت " قلب اللذة " وخرجت . تذكرت الجريدة التي أدمنت عليها في السنوات الأخيرة ، في الكشك الموالي تراءت الجرائد مرتّبة فوق الرّفوف الخشبيّة القصيرة . في أعلى الكشك تستطيع أن تقرأ ما يلي : ( ورقٌ يأتيك بالأخبار بين الكلمات / فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعلاتن ) .
حملت جريدتي وذهبت إلى البيت ، في الطريق شدّ انتباهي منظر الحديقة العمومية . لا أثر لدخان أو ريح سموم أو بقايا أزبال أو آثاركلمة نابية تحملها الرّيح من فم إلى أذن . كان كل شىء أعِدَّ ليكون عنصرا فعّالا في بناء سمفونية الكمال الأبديّ اللانهائيّ .
تأملت هذه الحقيقة وقلبتها على وجهها مرّات ثم اندلع سؤال : ماذا حدث ؟ فالواقع ليكون " واقعا " يجب أن يكون الحق فيه مصاحبا بشيء من الباطل . والنور يجاوره بعض الظّلّ . إنني لاأصدّق "وجودا " داخل هذا الالمطلق الأبيض الصافي . قليل من الشر يجعل الخير ذا وجود فيزيائي .
قليل من الليل يجعل نجمة الفجر ، فوق السطوح ، أكثر بهاء . وقليل من الخطإ الآدمي يجعل التّوبة شجرة تُورِقُ في قفص النفس ...
فوق باب الحديقة قرأت: ( عيدُ الخزامى في ربيع بنفسجِ ( متفعلن متفاعلن متفاعلن )
وزاد من شكوكي أطفال الحيّ حين رأوني ؛ تركوا ألعابهم وأوقفوني بمحبة بالغة . كيف حالك يا عمي ؟ هل كتبت قصيدة جديدة ؟ ماذا أعطاك الخليفة يوم مدحت عمّوريّة ؟ أحقا لك عشرون جارية ؟ وهل أغغضبك صديقك البحتري ؟ وهل اكتشفت حقا بحرا شعريا جديدا ؟
لم أكن أدرك داخل تلك الدوامة ، هل اكتشفت بحرا شعريا جديدا أم صحراء ، من دم ، جديدة ؟! لم أتنبّأ بما سيحدث . غير أن حضور الرجل الوقور ذي اللحية البيضاء قلّل من فوران غضبي . نزل عليّ كالفيض الإلهيّ الباطن . كحليب ثدي مغموس في النور . الرجل الوقور فرّق الصّبية تفريقا ، وبدأ يداعبني بحنوّ يكاد يكون مبالغا فيه ، ثم ما لبث أن بدّل معاملته وشرع يجرّني بشدّة . قثم صرخ أخيرا :
- قم ! هيّا قم ! افتح عينيك !
فتحت عينيّ كليهما فوجدت صديقي السيّد (ميم ) .
آهٍ كنت أحلم ! والمدينة ...كانت تقطر شعرا ،فما عساها تقطر الان ؟!
2- المدينة تقطرُ ليلا :
قمت بجولة قصيرة في المدينة كي أنجز مقارنة بين نعيم الحلم وجحيم الصّحو. كان الإسمنت الثقيل سيّدا مطلقا ، أمام تراجع مخيف للخضرة والماء . كانت البيوت منشورة هنا وهناك بلا قواف ولا تفعيلات مثل أعين مخنوقة مرمية ذات خريف صحراويّ شاسع .
في المقاهي كراسٍ يلسعك ملمسها الخشن ، وقهوة إفريقية داكنة تخدشك بالمرارة العاتمة ، وموسيقى كعواء وحش أسطوريّ مذبوح .. موسيقى ثقيلة عاهرة مدمرة لاسعة ملسوعة ..
أمام المحكمة شعب مريض بالخصومات . فتىً فقأ عين جاره . بائعو المخدّرات بأعين قصديريّة وأوجه مغوليّة وأظافر غيلانيّة ( نسبة إلى الغول ) . ثم هناك نساء قرويات يضعن في أكياس بلاستيكية سوداء ديوكا وخضرا .. وأوراق الطلاق !
عند العودة جلست على كرسيّ مشلول داخل تشكيل إسمنتيّ محطم يسمّى حديقة . كانت الرّوائح الكريهة تقتحم الأنف بلا استئذان . وهناك على مرمى من العين أزبال من أصناف مختلفة : قشور الموز الصفراء المائلة إلى الأسود بفعل الزمن – رؤوس الأسماك ذات الأعين المسعورة – قشورالبيض المحطمة تحطيما . حول هذه الأزبال قطط تنهشها نهشا . القط الأضعف والأقل حيلة ينتظر البقايا ، والأقوى والأمكر يستبد بالحصة الأوفر . كان مشهد الافتراس هذا معبرا وقويا ؛ إنه تحقق غريزيّ . استيقاظ الحواس الباطنيّة المدمّرة . وهو أخيرا – يشبه الإنسان في افتراسه الأزليّ ، مع فروق بسيطة ، وهو أن القط يفترس عاريا أمام الشمس ، بدون مركب نقص ، ولا اهتمام بالآخرين ، فهو يستوعب جيّدا قولة "سارتر" ( الآخرون هم الجحيم ) ، بينما الإنسان يفترس خلف مجموعة من الأقنعة المنسوجة بإتقان . قناع الثقافة وإيواليات استثمارها . قناع التأويل الأعمى . قناع أخير مدعّم بنظام استعاريّ ماكر مفاده أن الافتراس مؤشّر على استمرار النوع البشريّ فوق كوكب الأرض !
تُرى ماذا أكون داخل هذا الترميز البسيط ؟ أيّ قط أنا ؟ ما فصيلة دمي ؟ ما نوع أظفاري ؟ كم هو حجم حصتي من أزبال المدينة ؟؟
في الطريق إلى البيت تمنيت لو كانت معي عصا موسى أو خاتم سليمان السحريّ : المسألة بسيطة ؛ أفرك الخاتم فركا فيصعد دخان كثيف سرعان ما يتشكّل على صورة مارد جبّاريناديني مطيعا : ( شبّيك لبّيك / أنا عبد بين يديك ) . ساعتها آمره بأن يغيّر ترتيب المدينة : هنا شجرتان مورقتان دائما ، واحدة لي وأخرى لأمي التي لم تحتفل بعيد ميلادها أبدا. وهناك موسيقى تشبه إلى حد كبيرهمس السواقي للرعاة المتعبين . وهناك فوق البيوت نجمة فجر فضيّة بأجنحة خضراء كلما تحرّكت بفعل الريح انتشرت روائح الفردوس منها .
هذه المدينة لا أريدها أحاسيس مدفونة تحت الرماد ، أو حقلا من الألغام ،ولا أريدها
قذيفة يطلقها التنافر . أريدها رحيقا وليس حريقا . أريدها شمعا وليس نعشا .دخلت إلى بيتي فاكتشفت أني في العراء مثل لفظة فقيرة تحتاج إلى كثير من البلاغة لتمنحها سلطتها الاستعارية الممكنة .لم يكن لي بيت . لا أملك
الا شظايا .. شظايا .. شظايا

مصطفى ملح



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 18 ديسمبر - 7:35