م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


محمد نبيل /هنا موسكو : الراحلة

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

محمد نبيل /هنا موسكو : الراحلة

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في السبت 20 أكتوبر - 18:24







محمد نبيل /هنا موسكو : الراحلة


طلع نور النهار، و لينا ما زالت فوق سريرها، تتأمل في صور علقها أبوها أياما قليلة، قبل أن يُدفن تحت التراب. صور بالأبيض و الأسود، تنطق بمعاني كثيرة عن فترات من طفولتها الشقية.
تسكن لينا في بيت صغير، يقع في أحد شوارع موسكو العريضة، بين الكنيسة الأورثودوكسية العظيمة و المسجد الكبير. فهي تعتقد أن الخروج إلى الساحة الحمراء، يعد مغامرة محفوفة بالمخاطر و مجازفة بنفسها . لينا لا تقاوم النظرات الشاردة المطبوعة باليأس و المرارة . ترفض أن ترى نفسها معاقة، بلا عمل يتناسب مع خيالها الواسع و حركة أناملها الذهبية. الكثيرون يعرفون لينا كيف تصنع أشكالا و رموزا جميلة على الثوب و الورق، مازالت صورها راسخة في أذهان أولئك، الذين كانوا يتوافدون كل يوم على شقة أبويها، لرؤية أعمالها المدهشة. لينا غاضبة و ساخطة على صاحب “جاليري” ،صنع مجده من جهدها ،بعدما سلمته العشرات من اللوحات من أجل عرضها للبيع . هكذا تكون مغامرات الإبداع، في عالم قلَّ ما نعثر فيه على محبي الحياة.

هذا الصباح الخريفي، قررت لينا أن تتحدى قيود عزلتها، و تخرج لمواجهة ضوء النهار ونسيم العشق الأبدي، الذي يهب على موسكو بين الفينة و الأخرى. لم يبق إلا دقائق قليلة قبيل المغادرة، قررت التخلص من كل الألوان التي زينت جوانب غرفة نومها. وفي الشارع الذي يتوسطه تمثال لينين، لمحت بدموع عينيها ظلَ أحمد. مالت على قارعة الطريق من شدة الاستغراب. ثنايا جفونها لم تصدق هذا المشهد. كيف يكون هذا هو أحمد، أول شاب في حياتها عشقته لينا بجنون و آخر من أحبته ؟ طارت لينا من مكانها وكأن نار العشق اشتعلت من جديد في نفسها. وكعادته، أيام كان في موسكو يدرس الصيدلة، ابتسم لها أحمد. وقفت لينا قبالته. نظرت إليه ثم نطقت بأسف.
ـ غريب…ربما ، هذا أسعد أيامي…
اكتفى أحمد بوضع يده اليمنى على ظهرها، وشدَّ ساعدها لدقائق… صمت أحمد لم يدم طويلا، قبل أن يتفوه بكلماته الأولى:
ـ هل مازالت موسكو تسكن قلبك كما كان الأمر قبل عشرين سنة؟
ـ نعم، لكن لابد أن أتخلى عنها…أفكر في الرحيل !
ـ آه، الرحيل، أنت المجنونة بحب موسكو و بتاريخها المجيد و شوارعها اللامعة…إلى أي مكان في العالم …سترحلين؟
ـ لم أقرر في مصيري بعد، لكن قل لي كيف وجدت وطنك ؟
ـ لقد تغيرت الأشياء و الأماكن ،ورحل كل الذين كنت أهوى مرافقتهم إلى الأماكن الجميلة…
ـ عندما نودع أحبائنا وهواة المتعة المحظورة، تصبح لغة الندم أقوى من الممكن!
وقبل أن يستوطن أحمد صدرها الواسع، شدته لينا بقوة، تساءلت و علامات الشوق تتفتق من عينيها الذهبيتين !
ـ وما سر قدومك إلى موسكو ؟
ـ لقد نسيت بورتريه ،رسمه لي أحد الفنانين المعروفين في بلدتي. لقد تخيل أمي قبل زواجها من أبي، ورسم لها صورة فريدة على ثوب من الأثواب النفيسة!
توقفت شفتا لينا عن الحركة، اصفر وجهها ،وبدأت تتلعثم في كلامها…اقتربت دون أن تشعر وهمست في أذن أحمد:
ـ وهل نسيت أيام كنا نقف فوق جسر مدينة موسكو، تحت المطر؟
ـ لكل ذكرى حلوها و مرها… لكـــل شيء إذا ما تمَّ نقصان!

أحمد القروي ،يعشق أشياء لا تراها لينا ضرورية في حياتها. نظارات أحمد السوداء و نظرات لينا الثاقبة، لا يتوافقان إلا فوق الفراش. غريب أمرهما… كيف قضا سبع سنوات في موسكو..؟!
استقلا أحمد و لينا مترو الأنفاق، حتى لا يضيعا معا في شريط الذكريات. بدأت لينا تحكي عن رحيلها المتوقع قريبا. كان المشوار طويلا، كانت وجوه الركاب تشير إلى معاني الغضب و الكبت.

وعند نزو لهما ،أحست لينا بهواء ثمل ممزوج برائحة غريبة. أرادت أن تسأل أحمد، لكنه كان مشغولا بالتقاط بعض الصور، متلهفا وكأنه لن يعود إلى موسكو أبدا. لينا تنظر يمينا و شمالا، تقترب من أحمد، لكنه هو يبتعد عنها و في جوفه كلمات تريد أن تتفجر في بواطنه. مؤشرات عدة تقول أن فراق أحمد عن لينا، سينبعث رماده من جديد. لينا لا تريد أن يرحل أحمد مرة أخرى عن موسكو. فهي فرحة بقدومه، إلا أن أحمد مصمم على العودة، بعدما عثر على صورة أمه في شقته القديمة.
سألته متلهفة بعدما أصيبت بالإحباط :
ـ متى ستعود إلى موسكو ؟
ـ عندما أتحرر من نفسي !
ـ ومتى سيقع ذلك ؟
ـ عندما تغير الشمس وجهة طلوعها، ويصبح ضوء القمر مركز الوجود.
تعانقا و تبادلا قبلا هادئة. كانوا وسط ساحة الحرية. هناك، لا أحد ينتبه إليهما، فسعة المكان أكبر بكثير من نظرات المارة القاتلة.
أحمد يتمزق من الداخل، بين حب قريته و فراق أولاده الستة ،و عشق لينا الذي ما زال جرحه لم يبرأ بعد. أحيانا يكون العشق أقوى من كل أوقات اليوم القاتلة. وفي الوقت الذي رحل فيه أحمد وهو يتذكر أغنية “حكاية غرامي”، غادرت لينا مكانها، و في ذهنهما صورة جميلة عن حدث عظيم، اسمه موسكو.
محمد نبيل ـ كاتب و صحافي مقيم بموسكو



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 17 ديسمبر - 14:42