م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


أبٌ غير مرغوب فيه

شاطر
avatar
صالح القاسم
وافد جديد
وافد جديد

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 23
العمر : 58
المكان : اربد
تاريخ التسجيل : 24/12/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

أبٌ غير مرغوب فيه

مُساهمة من طرف صالح القاسم في الإثنين 11 يوليو - 12:16











أبٌ غير مرغوب فيه
* صالح القاسم

ملحوظة هامة: قد يزعل أولادي، جداً، من هذه القصة؛ لأنها تتناول بعض سلوكياتهم*.

ما
يلفت انتباهي، من فترة لأخرى، أنني أجد على المغسلة، داخل العلبة المعلقة
إلى جانبها، معجون أسنان جديد إلى جانب معجون الأسنان الذي لم تنفذ
محتوياته بعد، والذي أصبح قديماً رغم ما به من معجون يكفي، في تقديري،
ليومين أو ثلاثة، لكن الأولاد بمجرد أن يقترب المعجون من الانتهاء يتركونه
ويفتحون واحداً جديداً.

وفي كل مرة أسال نفسي: لماذا يفتحون معجون أسنان جديد رغم أنه لا يزال، في القديم، كمية لا بأس بها من المعجون؟

أتوجه
بالسؤال إلى أولادي أو زوجي: لماذا استخدمتم معجون أسنان جديد رغم أنه لا
يزال كمية لا بأس بها، في القديم، تكفي مدة يومين أو أكثر، بالنسبة
لعددكم؟ لا أحد يجيب، وكأنهم لا يجرؤون. وإن أعدت السؤال، بلهجة أكثر حدة،
ونجحت باستفزاز شخص ما في البيت فقد يجيب بلا اكتراث: «مش مستاهلات، يا دوب
نتفة صغيرة».

في البداية كنت أبلع غيظي وألوذ بالسكوت، وأقول
لنفسي: لعل كلامهم صحيح. لكن أفاجأ أنني أستمر باستخدام المعجون المهجور،
مدة أسبوع أو أكثر، وأقسم بالله العظيم إنني أفرشي أسناني مرتين، في اليوم،
وبكمية تغطي كل أسنان الفرشاة، أقول هذا للذين قد يشكون في كلامي، وقد
يقول قائل منهم إنني أبالغ في كمية المعجون المتبقية، وإن أولادي على حق في
فتح أنبوب معجون جديد.

أحيانا ألوم نفسي لأنني أشتري أكثر من
أنبوب، معاً، أسأل: هل عدم شراء معجون أسنان، إلا بعد أن ينتهي الأول،
بيومين أو ثلاثة، يساعد على تخليصهم من هذه العادة؟ معتقداً أنهم سيضطرون
إلى التمسك بالقديم، حتى آخر نقطة. أتذكر طبيعة أولادي، وأن الحياة بالنسبة
لهم، من دون معجون، أفضل، فأنا الذي أذكرهم بتنظيف أسنانهم أكثر من مرة،
فيذهبون إلى المغسلة بتثاقل، وحتى الصغير هذا (آخر العنقود) أحياناً يدعي
أن نظف أسنانه عندما أفاجأ به، في فراشه، من دون أن أشاهده قد نظف أسنانه.
أسأله: هل نظفت أسنانك؟ يجيب بنعم. ولا أحب أن أكذبه فأسكت.

تتكرر هذه الحادثة، ويتحتم على أن أستخدم المعجون المتبقي – على مضض - حتى ينتهي.

ما
يزعجني، في تصرف أولادي هذا، أنني أعتبره استهتاراً، ومعتقداتي توشوش لي
بأن الاستهتار بهذه الأشياء الصغيرة قد تجعلهم، في المستقبل، يستهترون
بأشياء كبيرة، وقد يؤدي بهم هذا إلى أن لا يتدبروا أمرهم، مستقبلاً، خاصة
أننا نعيش في هذا الزمن الصعب - من وجهة نظري أنا، طبعاً ـ فقد يكون هذا
الزمن سمناً وعسلاً، عند غيري وديننا الحنيف، أقصد الإسلام، طبعاً، والذي
قد لا يكون حنيفاً ـ عند غيري - يحثنا على عدم الإسراف والاعتدال، في كل
شيء.

ما علينا، لم تفلح كل محاولاتي في ثنيهم عن هذه العادة المزعجة، جداً، وصرت أكمل استخدام بقايا معجونهم وأنا ساكت.

أتامل في كل شيء في هذا البيت، وأسأل نفسي: لماذا هذا الجيل من الصعب أن تقنعه بشيء، رغم تكرار التحذير أو النصيحة؟

أستذكر
– كذلك – الخبز، فالأولاد الأعزاء، إذا جاؤوا على رغيف خبز مقسوم من طرفه،
بعض الشيء، تركوه، وتناولوا رغيف خبز جديد. ونتيجة هذا التصرف تتجمع قطع
الخبز، بعضها يكون صغيراً وبعضها كبيراً، تجمعها الزوجة في كيس نايلون،
وتعلقه على يد باب المطبخ، من الداخل، والمبرر أنها لا تريد رمي الخبز
بالزبالة.. تجمعه بهذا الشكل لترميه، بشكل مستقل، أي باحترام!

وأكرر
أسألتي، كعادتي: «لماذا تفعلون ذلك؟ لقد قلت لكم، أكثر من مرة: حرام أن
تتركوا قطع الخبزهذه، أولاً وأخيراً سوف تقطعون الخبز قبل أن تبلعوه»،
يتجنبون الجواب. وإن كررت السؤال بحدة وعصبية جاوبني أحدهم ببرود وعدم
اكتراث: إنه بارد.

- لماذا لا تسخنوها، فأنتم تسخنون البارد
والطازج، ولو كان كلامكم صحيحاً، فمن الأولى أن تسخنوا كسر الخبز هذا، فهي
كسر جديدة وبعضها كبير.

الكلام نفسه، والحوادث نفسها تتكرر، وكأنها
عادة أو نظام بيولوجي داخل أجسامهم. كلامي يذهب هواء هباء، وإن صدف وأن
ردوا واستجابوا مرة، فلكي يتجنبوا غضبي، ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة.

لقد
مللت كثرة تعليقي على ضرورة أن لا يفتحوا معجون أسنان جديد، قبل أن تنفد
محتويات القديم، ومللت كثرة تكرار أنْ لا يهملوا كسر الخبز؛ فهناك بشر لا
يجدون حتى اللقمة، وأن علينا احترام النعمة التي نحن فيها، ومللت كثرة
تكرار أن لا يتركوا بواقي طعام في صحونهم، وأن يضعوا ـ في صحونهم ـ بمقدار
ما تطلبه بطونهم، ومللت من مسؤولية إيقاظهم كل صباح، والسرعة في تجهيز
أنفسهم قبل أن تقترب الساعة من الثامنة، ومللت تذكيرهم بضرورة أن يعلق
الواحد فيهم ملابسه في المكان الصحيح، وأن أمهم ليست خدامة سيريلانكية
يتركون كل شيء لها، ومللت من كثرة تذكيرهم بأن يطفئوا الكهرباء بعد أن
يخرجوا من غرفهم. لكن لا حياة لمن تنادي. تكرار، تكرار، لقد مللت، أيضاً،
تذكيرهم بأن يشوفوا واجباتهم المدرسية.

يتنقلون ما بين الكمبيوتر
والتلفاز، يتناوبون عليهما. أفكر بكسرهما وتخليص نفسي من عادات الأولاد.
لكن أتذكر أنهم سوف يذهبون إلى مقاهي النت. حاولت معهم ايجاد طرق تسلية
وتنمية مواهب أخرى، لكن يبدو أن عقليتهم قد برمجت باتجاه واحد، وقد فات
الأوان. يغزوني شعور بأنني استسلمت لعدم اهتمامهم بأنفسهم. أصبحت أتردد في
التعليق على تصرفهم هذا أو ذاك، بل وتخونني معتقداتي، وكأنها، هي الأخرى،
ملت كثرة التذكير، وأشعر ـ أحياناً ـ أن عدوى اللامبالاة قد استقر في جانب
ما من دماغي.

ومن آخر صرعاتهم ما قاله ابني الأصغر عن أخيه الآخر
بأنه دفع لسائق التاكسي فلوساً، واستحى أن يطلب الباقي منه. لم أصدق، ولن
أصدق أن هذا يحدث مع أبنائي، فهم يعرفون، حقاً، أنه ليس لي إلا الراتب،
وبالكاد يكفي، أجاب ببرود: أنت لا تدفع من جيبك، هذا مصروفي.

نظريات
جديدة لم أسمع بها، وتفكير معقد لا أستطيع فهمه. حتى أنا، في ما يبدو، صرت
– حقاً - مثلهم لا أبالي، فقد تجرأت واشتريت بنطالاً ثمنه مرتفع، قليلاً،
قياساً على أثمان البلاطين التي اشتريتها، طيلة حياتي السابقة، وصرت أشتري
حبة سنيكرز ذات الحجم الصغير، وأقول: أولادي ليسوا أحسن مني، وأفكر في شراء
حبة سنيكرز حجم كبير، مستقبلاً، وكيس شيبس، بنصف دينار، تماماً مثل
أولادي.

وعملت لنفسي صفحة على الفيسبوك، تماماً مثل بقية أولادي!

العادة
الوحيدة التي لم أستطع تقليد أولادي بها هي عادة تغيير الهاتف، لا لضعف،
ولكن لقلة الحيلة (الفلوس). لكن، من جهة ثانية، تغيرت، حقاً، (للأحسن أم
للأسوأ؟ لا أعرف). كل ما أدركه أنني أصبحت لا أكترث ببقايا معجون الأسنان،
ولا بكثرة كسر الخبز المتجمع على يد باب المطبخ، وصرت أتردد كثيراً على
محلات الماكدونالد والكنتاكي، وأتذلل كثيراً عند أصحابي لكي يوافقوا على
كفالتي في بنك لآخذ قرضاً مالياً.

والأهم من ذلك أصبحت دائم
الاكتئاب وأرغب في الذهاب إلى طبيب نفسي، غير أن الحياء يمنعني. وترددت
كثيراً في كتابة هذه القصة خشية أن تكون غير مكتملة للشروط الفنية.



* أشك في ذلك، فأولادي لا يهمهم أبوهم ماذا يكتب، ولا لماذا يكتب، ثم إنهم لا يعيرون أي اهتمام لأي شيء مكتوب.
التاريخ : 08-07-2011

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 19 أكتوبر - 3:07