م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


عبدالحميد الغرباوي/وجه

شاطر
avatar
هــري عبدالرحيم
عضو مميز

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 340
العمر : 59
المكان : maroc
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

عبدالحميد الغرباوي/وجه

مُساهمة من طرف هــري عبدالرحيم في الخميس 13 سبتمبر - 16:13


احتك الحديد بالحديد فتوقف القطار.
كنت أجلس وحدي، قبل دخوله المحطة بقليل، أتصفح مجلة ثقافية باذخة آتية من إحدى دول الخليج العربي، و عن يميني وشمالي مقعدان فارغان، حين أقبلت هيفاء تسير على مهل، يستر شعرها خمار أسود ، أبت خصلة منه إلا أن تفضح المستور و تعلن عن لونه، فانسلت من تحت الخمار شقراء...
بيضاء،
كانت،
بشرتها..
ابتسمت لي و هي تجلس يميني، ابتسامتها أحدثت في صدري رجة خفيفة، أخرجت أثرها نفسا طويلا من أعماقي، و أنا أبادلها التحية بابتسامة مقتضبة و أعود إلى المجلة و إلى قصيدة من قصائدها أسبح في يمها..
و حين أعلن صوت هادئ، دافئ قرب دخول القطار إلى المحطة، أغلقت المجلة، أعدتها إلى محفظة لا تفارقني في حلي و ترحالي ، و أسرعت إلى الوقوف قريبا من سكة الحديد...
و كما العادة، لم أكن موفقا في اختيار مكان الوقوف، و بدل أن أجد أمامي بابا، وجدت أمامي نافذة يطل منها وجه صبي بدا عليه أنه كان نائما و استفاق فجأة.. الأمر الذي اضطرني إلى أن أهرول هرولة خفيفة وألحق بأقرب باب و أصعد مسرعا إلى أول مقعد أصادفه أمامي...
جلست، و ما أن هممت بفتح المحفظة و إخراج المجلة لأواصل قراءة القصيدة، حتى تذكرت أن منذ لحظات كانت تجلس إلى جانبي على إحدى مقاعد المحطة، فتاة في مقتبل العمر، هيفاء بيضاء، تختمر بخمار أسود تطل من تحته خصلة شقراء..
بحثت عنها عيناي فلم تعثرا لها على أثر..
أين اختفت!؟...
داريت حيرتي بإخراج المجلة، كنت أود أن أزيل عني حيرة أخرى، فالقصيدة التي شرعت في قراءتها وأنا جالس في المحطة أنتظر القطار، استعصت رموزها علي.
أحيانا، أتساءل عن الدافع الذي يدفع بعض الشعراء إلى إثقال قصائدهم بالأساطير و الرموز...
و في اللحظة التي هممت فيها فتح المجلة، أحسست بظل يملأ فضاء بصري، و يمر من أمامي..
رفعت رأسي، كانت هي...
ارتجف قلبي ارتجافة خفيفة، مرة أخرى..
و خرج نفس طويل من الأعماق...
ما الذي يحدث لي!..
الأمر ليس عاديا بالمرة...
و كادت الذاكرة أن تعود بي إلى زمن أسود من عمري الذي أراه ينسل مني في صمت..
يظن العمر أني لا أشعر به،
يا له من مغفل!...
أعرف،
و أوهمه أني لا أعرف..
أنا أيضا أريد أن أكون مغفلا و لا أحس به..
و لا أريد أن أعرف..
ليذهب،
و ماذا بعد!؟...
ابتسمت لي و هي تأخذ لها مكانا قبالتي جنب النافذة، كنت أنا أيضا أجلس قرب النافذة،أحب تأمل الأشجار و الحقول و الروابي و أعمدة الكهرباء و الدور و هي ترجع القهقرى بينما القطار يتقدم مسرعا إلى الأمام، يبلع الأرض من تحته بلعا...
قد تكون هي الأخرى تحب رؤية الأشياء و هي تجري في الاتجاه المعاكس لسير القطار...
عدت إلى المجلة، فتحتها، و ذهبت رأسا إلى الصفحة التي توشي القصيدة بياضها، و شرعت في قراءتها من جديد...
مرت ثوان، و ربما دقائق و أنا تائه بين سطور القصيدة، و كان القطار قد انطلق خفيفا، بطيئا و هو يغادر المحطة، ثم ما لبث أن ضاعف من سرعته و هو يترك خلفه آخر بناية من بنايات المدينة...
عادت بشرتها البيضاء تملأ فضاء بصري...
كانت تنظر من النافذة...
و دون أن أحرك رأسي، صوبت عيني نحوها...
عيناها !..
إلهي!..
أين رأيت هذين العينين الأسيويتين!؟..
و هذين الحاجبين الكثين!..
و الشفتين النديتين في غير اكتناز!...
و هذا الأنف الصغير الدقيق!..
و هذا الوجه الأبيض المدور!؟...
نسيت المجلة، و القصيدة، و توغلت عميقا في وجهها الغض الطري الذي لم يكن غريبا علي...
كنت أشعر به قريبا مني، و بشكل يثير الدهشة و الاستغراب...
من أين انبثقت هذه الأنثى!...
و في لحظة شرود مني، التفتت نحوي، فالتقت نظراتنا..
عدت إلى المجلة متظاهرا بتصفحها، و إحساس يخامرني أنها اللحظة تتفرسني بعينيها الأسيويتين، وأنها هي الأخرى ، اللحظة، تتساءل في داخلها: " أين رأيت هذين العينين الأسيويتين، و هذين الحاجبين الكثين و هذين الشفتين الرقيقتين، و هذا الأنف الدقيق، و هذا الوجه الأبيض المدور!؟.."
أعدت المجلة إلى المحفظة، و أخرجت قلما و مذكرة خاصة أسجل فيها بين الحين و الحين ما قد يسترعي انتباهي و ملاحظاتي أو يجول بخاطري ...
أردت أن أسجل ملامح وجهها في وصف سريع و مقتضب، علها تكون مدخلا لقصة، أو نقطة محورية في لوحة من لوحاتي و التي لن يظهر فيها وجهها حتما بل سيبرز فيها ما يشي أو يوحي به...
رفعت بصري نحوها فألفيتها تمعن في النظر...
أشاحت بوجهها ملتفتة جهة النافذة فاغتنمت الفرصة لأسجل ما أود تسجيله..
و تكررت بيننا عملية تبادل النظر هذه، إلى أن تحولت إلى ما يشبه التواطؤ بيننا...
و أعلن صوت دافئ ، رهيف، عن قرب دخول القطار المحطة الأخيرة...
أكملت تسجيل كل التفاصيل التي تهمني، و لم يبق لي سوى شيء واحد، أن أعرف اسمها...
و خروجا عن قوانين اللعبة التي خططناها لنفسينا في صمت، تعانقت نظراتنا، و بجرأة لم أتوقعها منها، بادرتني بالسؤال:
ـ ماذا كنت تكتب ؟...
فاجأني السؤال...
ـ كنت أكتب شيئا يخصني
ـ لكنك كنت مرة مرة، تتفحصني بنظراتك، ثم تنزل على الورقة كتابة..
ردت مضيقة ما بين حاجبيها..
ـ أجل..
ـ إذا ماذا كنت تكتب؟.. ألحت مبتسمة
أجبت مستسلما لإلحاحها:
ـ كنت أسجل تفاصيل وجهك
ـ إذا أنت كاتب!؟..
و أردت أن أبث روح النكتة بيننا، فأجبت:
ـ بل أنا كاذب..
و ضحكت ضحكة خفيفة، اهتز لها جسدي، كنت أنتظر منها أن تشاركني ضحكتي، لكنها اكتفت بالابتسام، و قالت:
ـ قصة أم قصيدة؟..
ـ أتمنى أن تكون قصة.. و قصيرة..
ـ هل لديك عنها فكرة ؟..
ـ من!..
ـ القصة، عنوانها؟...
ـ هناك عنوان يسرح بخاطري الآن، لكن سأتركه يسرح إلى حين..
ـ ستنشرها طبعا..
ـ ربما...
ـ و كيف سأطلع عليها؟..
ـ رقم هاتفك يكفي..
و أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة،..
أطرقت لحظة خلتها طويلة، كما لو أنها تفكر في أمر ما، بعد ذلك، خطت شيئا على الورقة، ثم طوتها و سلمتها إلي راجية مني ألا أفتحها إلا بعد أن نفترق..

و احتك الحديد بالحديد و توقف القطار...
نزلنا...
ابتسمت لي مودعة،..
كانت الابتسامة، هذه المرة، تشف عن ذبول و حزن..
ثم مضت على وجه السرعة في اتجاه باب الخروج...
فتحت الورقة و قرأت:
" شبيهتك، التي أتعبها البحث عن والدها..
للاتصال: * * *"
رفعت بصري أبحث عنها وسط الزحام، فلم ألمح منها سوى جزء من ظهرها و هو يتوارى خلف باب المحطة..

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 20 أكتوبر - 10:06