م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


صعاليـك الأدب.. أمراء الهامش

شاطر
avatar
زائر
زائر

صعاليـك الأدب.. أمراء الهامش

مُساهمة من طرف زائر في الإثنين 22 يونيو - 9:05


صعاليـك الأدب.. أمراء الهامش


اذا كانت كلمة (صعلكة) في المعاجم اللغوية تحيل الى الفقر، فان الكلمة اكتسبت في عصرنا الحديث معاني جديدة جعلت منها كلمة غامضة، فقد تجاوزت ذلك لتصبح وصفاً جامعاً لكل اولئك الذين خرجوا عن الحدود العامة للمجتمع،
وتمردوا على الاعراف والتقاليد تدفعهم في ذلك بواعث شتى ربما خفيت عن الكثيرين، الا ان نظرة المجتمع لهم انحصرت في الاحتقار او التجاهل، بسبب غلبة حالة البؤس والعوز البادية على مظهرهم الخارجي، ولان الادباء عندنا لم يتخلصوا ابداً من شبح الحاجة الملازم لطبيعة عملهم، فقد لازمتهم هذه الصفة وقيل عن الاديب فيما يشبه الاعتذار: (ادركته حرفة الادب). فليس للانتاج الادبي سوق رائجة كما هو الحال في دول الغرب مثلاً، اذ بامكان المبدع هناك ان يحيا بكرامة اذا باع كتابه لاحدى مؤسسات النشر المعروفة
ان ظاهرة الصعلكة ستظل صفة قريبة ممن يمارسون الانشطة الادبية او الثقافية، بل حتى الفنية فكل هؤلاء لا يتوفر لهم مناخ يساعد على الانتفاع من ابداعاتهم مالم يمتهنوا الى جوارها عملاً آخر يؤمن لهم دخلاً مناسباً، ولا بأس هنا من التذكير - لمن غابت عن ذهنه الحقائق التاريخية - ان الادب والفن لم يوفرا لمن يزاولهما ماتوفره المهن الاخرى حتى في اوروبا الا في القرون الحديثة، وكان الوضع هناك شبيه بما عندنا في دول العالم الثالث، ولم يحصل الاديب والفنان على مكانتهما التي يستحقانها الا بعد تطور الصناعات المختلفة ومنها ما يتعلق بالادب والفن مثل المسرح والسينما، فقد اصبحت السينما منذ عقود صناعة تدر على اصحابها الملايين من الدولارات، الامر الذي فتح امام الكتاب منافذ للكسب لم تكن موجودة عبر التاريخ (مالم يكونوا من الكهنة او المقربين من الملوك والسلاطين)، فاذا كانت المزادات الفنية قد باعت لوحة لفنان مثل (فان كوخ) بملايين الدولارات، فان هذا لا يغير حقيقة ان الفنان عاش في بؤس كبير وانتهت حياته بالانتحار.
كما ان اقامة النصب عندنا لبعض الادباء والفنانين بعد موتهم لا يعني ان الادباء والفنانين الاحياء اصبحوا عندنا بحال افضل!
وحول (الصعلكة) لدى بعض الادباء كانت لنا هذه الجولة السريعة، لان الاحاطة بهذه الظاهرة من جميع جوانبها النفسية والاجتماعية والسياسية بشكل مفصل يحتاج الى دراسة معمقة.
جان دمو اطلق عليّ لقب صعلوك
سألت الشاعر حسين علي يونس الذي مازال يطلق عليه بعض الادباء لقب صعلوك، عن لقبه ورأيه بهذه الظاهرة قال ضاحكاً ان الشاعر جان دمو الذي كان صعلوكاً بامتياز اطلق عليه هذا اللقب عام 1987، وحين حاورته عن الظاهرة في مفهومها العام حدثني عن ذلك: لقد الف الدارسون كتباً حول هذا الموضوع، لان الصعلكة لا تنفصل عن الوضع الاجتماعي الذي يمثل الحاضنة للافراد، فالصعلوك فرد يوجد ضمن مجتمع معين وحين يصبح كذلك، فان ذلك يعني الخروج عن المألوف، وان يتجاوز في سلوكه كل الخطوط الحمر كما يقال عادة، وفي تراثنا توجد الكثير من الامثلة وكذلك في التراث العالمي، ان من قرؤوا روايات الروائي الامريكي (هنري ميلر) في وقتها اي في منتصف القرن الماضي صدمتهم الحقائق التي جاهر بها، لقد تجاوز كل ما تعارف عليه القارئ الامريكي والاوروبي، واعتقد ان نمط حياته الغريبة، وطبيعته المنفلتة من قيود المجتمع جعلته بالنسبة للمحافظين من الادباء (صعلوكاً) في مفهومنا الآن، وهناك امثلة كثيرة في الادب والفن، فهل كان القاص الامريكي (ادغار الن بو) بعيداً عن هذه الصفة؟ ان حالة الفقر والبؤس لابد ان تقودا اي انسان الى الصعلكة فكيف بمبدع يمتلك الوعي العميق ورهافة الاحساس؟
والغريب ياصديقي ان مانجده في كتب التراث لدى ابي حيان التوحيدي وغيره من ادبائنا الاقدمين، بل حتى من المعاصرين نجد نظيره في الادب الاوروبي وكان العالم باجمعه متفقا على ان يهمش اهل الادب والفن، واعتقد ان طبيعة الابداع الادبي والفني يتطلب قدراً كبيراً من التأمل والعزلة، وهذا مايجعل الاديب والفنان شخصاً غير مناسب لاداء واجباته الاجتماعية، وللمحافظة على التوازن بين هذين الدورين - الابداعي والاجتماعي - يتحتم على الانسان المبدع ان يمتلك قدرة كبيرة على تنظيم الذات وهذا ما يخفق فيه الكثيرون، ومازلنا نذكر بعض اصدقائنا الذين تخلوا عن اسرهم او امتنعوا عن الزواج، واستسلموا للشرب والفوضى والتشرد، لتنتهي حياتهم بطريقة مأساوية مؤلمة، المشكلة في تصوري تكمن في الموازنة التي ذكرتها لك والمفارقة ان هذه الحقيقة، اقصد مشكلات الذات مع العالم هي مصدر كل الاعمال الابداعية، وهي ايضاً التي تقود الى الانهيار والتصدع، ولا ننسى هنا ان الاوضاع الخارجية للانسان تسهم في وضعه الاجتماعي، فقد يولد الاديب او الفنان في اسرة ثرية مرموقة فيمنحه ذلك الكثير من الفرص، ويجنبه الوقوع في دائرة الحاجة والتصعلك، لان جزءاً كبيراً من حالة الصعلكة تصنعها النظرة الدونية من المجتمع، ومن يجد نفسه منبوذاً ومحتقراً لابد ان يعتاد على الدور الذي اعد له سلفاً، والعكس صحيح ايضاً اذا توفرت لاي فرد دواعي الاحترام والتوقير بلا جهد ذاتي، فانه سيجد نفسه يمثل دور المحترم ويتماهى معه وهناك امثلة مضحكة عن اشخاص اصبحوا محترمين، ومرموقين بلا سبب سوى انهم وجدوا انفسهم في المكان المثالي عن طريق المصادفة، ولا يمكنني ان اذكرامثلة لهم لانهم محترمون كما ذكرت لك.
ولكننا ياصديقي برغم كل مانحمل من معاناة وهواجس لابد ان نتكيف مع واقعنا ولا نستسلم لحالات الضعف والانكسار، فمن مسلمات الابداع ان يتوفر للمبدع شيئاً من الاستقرار لكي يتاح له ان يمارس عمله، اذا كان جاداً طبعاً لان اشخاصاً كثيرين يحملون اوهاماً عظيمة عن ذواتهم ولا يمتلكون مقومات الابداع، واعتقد ان المرحلة القادمة ستكون افضل كثيراً، فقد تعددت المنافذ الاعلامية التي يعمل فيها اصدقاؤنا الادباء الآن، ومع ان العمل في هذه المجالات من فضائيات وصحف قد ياخذ الكثير من الوقت والطاقة، الا انه قريب من وجوه الادب ويمكن ان يؤمن لهم دخلاً مادياً مناسباً، بالاضافة الى الفرص التي يتيحها مثل هذا العمل فهو نافذة الى جمهور عريض يمكن ان ينتفع من الجهد الثقافي، وهذه بداية مشجعة بعد زمن طويل قضيناه جميعاً نصغي لصوت واحد، ويمكن ملاحظة التحسن الذي طرأ على اداء الصحف والفضائيات من خلال المنافسة، وربما كانت هذه مقدمة لعودة السينما والمسرح وكذلك الدراما التي تلكأت في المرحلة السابقة بسبب الفوضى التي عصفت بكل شيء في العراق، وكلما فكرت فيما يمكن ان يجلبه الاستقرار والرخاء للعراق من مكاسب في كل نواحي الحياة اخشى اني احلم، احلم بقوة لان ما اتخيله يصعب تخيله فارجو ان يكون ذلك واقعاً في يوم قريب.
(الصعلكة) وتمويه الواقع
وللكاتب عبدالرزاق النداوي رأي بشأن ماآلت اليه دلالة مصطلح (الصعلكة)، اذ ان تتبع الجذر التاريخي لها يشير الى معنى محدد كان معروفاً لدى المؤرخين والادباء، ورأى ان هنالك من اتخذ من ذلك طريقة للتمويه على سلوكه المستهجن وقال موضحاً فكرته:
اذا توخينا الدقة ففي الحقيقة لقد تم افراغ المصطلح من معانيه ودلالاته التاريخية التي كانت سائدة في التراث العربي، ليتم فيما بعد تلبيسه معاني ودلالات اخرى ليس لها علاقة بمضامين هذا المصطلح، ولقد تم ذلك من خلال اسقاط السلوك السلبي لبعض الشعراء والكتاب او غيرهم ممن يعملون في المجال الابداعي, ونعتهم بهذه الصفة التي اشتهروا من خلالها وليس من ابداعاتهم، ولكن تبقى الحياة بكل مافيها من هنات فهي ماكنة لاصطفاء الجيد والصحيح، ولابد ان يكون مصير الشواذ الى التلاشي والغياب، فمنطق الاشياء يقتضي ان نكون دائماً كما ينبغي لا كما نريد ان نموه به حقيقة واقعنا.
مبررات التصعلك
وتحدث لنا السيد عماد الزيدي قائلاً:
اذا تتبعنا الوقائع التاريخية التي تتحدث عن هذه الفئة، فاننا سنعثر على محصلة مثيرة حقاً، لان الكثير من المبدعين قد لصقت بهم صفة (الصعاليك)، ولا توجد مرحلة تاريخية لا تفرز لفيفاً من هؤلاء المهمشين الذين يحملون لقب الصعلكة، والسمة الجامعة لهم انهم ينزعون في طباعهم الى التحرر من اعباء الانضباط والسلوكيات الاجتماعية المعهودة، والتمرد على بعض اشكال العرف السائد للآخرين، ويمكن ان نطلع على الكثير من احوالهم في الكتب التي تتحدث عن العصر العباسي الذي كان اغزر العصور في التدوين والابداع الادبي والفلسفي، فقد روي عن ابي نواس الشاعر واصدقائه من الصعاليك طرائف وحكايات ملفتة، نستخلص منها نمط العيش الذي يستأثر بمثل هؤلاء الذين يتغنى بصحبتهم الشاعر، وقل ان نجد قصيدة له تخلو من الاشارة لهم ولمزاجهم المتحرر، وبوسعنا القول ان اللذة هي المبدأ الذي يسعى اليه الصعاليك، فقد وجدوا في ممارستهم للحرية وفق شرائطهم الذاتية البديل الملائم لهم، وربما دفع بعضهم ثمناً باهظاً لاستخفافه بما يعده الآخرون جزءاً من المحرمات، ولم ينج ابو نواس من القتل الا بسبب الجو العام الذي سمح بقدر من الحريات، ورغم ذلك فقد ظلت القوى المتزمتة تشكل خطراً على كل من يتجاوز الاعراف ويتمرد على مسلماتها، ولعل في هذين البيتين لابي نواس من قصيدته الذائعة:
(دع عنك لومي فان اللوم اغراء وداوني بالتي كانت هي الداء) تعبيراً عن رفضه لاولئك المتشددين: وقل لمن يدعي في العلم فلسفة.
حفظت شيئاً وغابت عنك اشياء
لا تحظر العفو ان كنت امرءا حرجاً
فان حظركه بالدين ازراء
ويجدر القول هنا ان للصعلكة مبررات مفهومة تتعلق بالاوضاع العامة، وترتبط ايضاً بطبيعة الافراد ايضاً، فاذا نظرنا اليها من وجهة نظر اجتماعية واقتصادية امكننا القول انها تؤشر لحالة من التهميش والاقصاء، فليس من المتوقع من الافراد الساخطين بسبب غياب العدالة ان يسلموا للقوى الحاكمة، بل ان حالة السخط والتذمر ستشمل عند هؤلاء كل ما يشكل رمزاً لاي سلطة لا تعبأ بهم، ومثال ابي نواس وغيره من الموالي يكشف عن هذه الحقيقة، فرغم ان المؤرخين اولوا مواقفهم المتمردة على انها (شعوبية)، الا ان التأويل المقابل لها هو غياب العدالة فقد عوملوا في زمن الدولة العباسية كمواطنين من الدرجة الثانية، الامر الذي اشاع حالة من السخط ظهر ذلك في اشعارهم وكتاباتهم، ولم تتوقف احتجاجات الصعاليك على السياسة العامة كما تذكر كتب التاريخ، ووصمت الكثير من الانتفاضات باسماء مختلفة روجت لها السلطة ورجالاتها للتغطية على حقيقة الدوافع التي قادت اليها.
وبالمقارنة مع زمننا وقربنا من المشهد الادبي يمكننا ان نلمس التشابه الذي يتكرر عبر العصور، ولابد ان نشير كذلك الى العوامل الذاتية التي يتمتع بها اهل الادب والفن، فهم في غالبيتهم يتمتعون بحساسية مفرطة ربما تتجاوز الحد المعقول، لتصبح وفق الفهم النفسي مشكلات تعوق الفرد عن التلاؤم مع وظيفته الاجتماعية، مما يجعل من شخصية المبدع مثالاً للتناقض والاستنكار، كما وصف احد الأدباء الشاعر ابن الرومي: (ان ادبه اكبر من عقله).

ناظم محمد العبيدي / كاتب من العراق -
http://www.alsabaah.com


--------------------------------------------------------------------------------

سـراب
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 67
العمر : 89
المكان : حيث أنا
تاريخ التسجيل : 15/10/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: صعاليـك الأدب.. أمراء الهامش

مُساهمة من طرف سـراب في الأحد 27 سبتمبر - 23:28

أهل الأدب والفن هم قلب المجتمع النابض نؤمن بما يصدر عنه و لا ننفذه بحجة أن ما يصدر عن القلب و يخالف العقل نبعده من حساباتنا

صباحك جوري
avatar
زائر
زائر

رد: صعاليـك الأدب.. أمراء الهامش

مُساهمة من طرف زائر في الإثنين 28 سبتمبر - 8:40

عين الحقيقة عزيزتي سراب..
هذا هو مصير الخلاقين الحقيقيين، وأما أشباههم، فلهم دنياهم وأوهام الحضور، بينما يعرّش الخلود بعيدا، بعيدا عنهم وليس لهم منه سوى قبض ريح جارفة لكل ضحل و منتحل..
كامل المحبة

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 19 أغسطس - 14:44