م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


الشاعر الراحل عقيل علي: مغامرة المكوث الشائك في الشعر

شاطر
avatar
زائر
زائر

الشاعر الراحل عقيل علي: مغامرة المكوث الشائك في الشعر

مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء 9 يونيو - 12:11


الشاعر الراحل عقيل علي:


مغامرة المكوث الشائك في الشعر

اوروك علي

مرحلة الثمانينات

في بداية الثمانينات بدأت الحرب العراقية الايرانية، وكان الشاعر يعمل خبازا في مخبزه وقد تزوج ورزق اول اولاده. لكن كان الوضع السياسي والأمني قد اشتد، وأحكمت الديكتاتورية قبضتها وازدادت قسوتها وشكوكها وريبتها من الذين يتعاطون بالشأن الادبي والفني واشكال الفكر، وحاولت احتواء غير المنضوين في منظومة الابواق المروجة والمادحة والمعظمة لها، بالاغراءات او بالتهديد والاذلال وخاصة بعد استيلاء (صدام) على السلطة وضربه للقوى والحركات السياسية الاخرى وتصفيته لكل العناصر والقوى المعارضة والتي بدأت من عام 1979 وصعودا. وقد اضطر الشاعر الراحل وهو القائل (ملايين الأبواق تزعق في ملايين الأبواق) أو ( الآن ماذا بقى غير خراب الأباطرة) ان يتوارى عن اعين السلطة وعدم الاحتكاك بوسطها (الثقافي المروج لها وادواتها). وكان هذا الخيار صعبا على المستوى الحياتي المعيشي، لكنه اعتاد الإغلاق والتهميش والتغييب الذي احاطه.على الرغم من ان هذه الفترة قد شهدت نشر نصوصه خارج العراق بمساعدة(كاظم جهاد) واصبح هناك حديث عنه وعن شعريته المثيرة للانتباه بتوهجها وتفردها، وبرز ذلك من خلال ماكتب عنه من قبل العديد من الشعراء والكتاب اللبنانيين ومنهم( بسام حجار، عباس بيضون). كما شهد استلامه البروفه لمجموعتيه الشعريتين( جنائن ادم، طائر آخر يتوارى )حيث كان يعد لصدورهما في كتاب من بيروت، وقد حالت الحرب الاهلية اللبنانية دون ذلك. وبذل( كاظم جهاد) جهدا استثنائيا لإصدارهما بكل الاشكال، وكان الحاضن والامين عليهما. لقد كنت اتردد دائما من بغداد الى الناصرية واسهر معه مصغيا الى قراءاته للقصائد من خلال هذه البروفه. لقد اضطر الشاعر وخاصة في منتصف الثمانينات ان يتوارى تماما عن انظار السلطة والناس، واغلق فرن الخبز الذي يملكه واعتكف في البيت متواريا عن منظمات( حزب البعث) التي كانت تصطاد كل المؤهلين للقتال لارسالهم الى الجبهة في( قواطع الجيش الشعبي )آنذاك.لكن كيف سيعيل نفسه وعائلته ان هو توارى عن الانظار في داخل العراق وانقطع حتى عن العمل، وهولايجيد عملا سوى مهنة (خباز)؟؟. كان يتملص بشتى الطرق من قرار اعادة فحص(المسرحين من الخدمة لاسباب صحية) والحاقهم بالجيش ثانية. وهذا يعني انه لم يشارك في الحرب العراقية الايرانية على كل المستويات.لكن هذا كان له الثمن الباهض الذي ترك تأثيره الاقتصادي على مجمل وضعه وحتى وفاته. اذ فقد كل شئ واصبح يحصل على قوته عاملا اجيرا امام نار الافران مع تقدمه بالعمر وتدهور صحته. لقد صاحب هذا التواري ولاسباب شتى معاقرة يومية للخمرة مع خوف مستمر من القادم. لقد اضطر الى بيع الفرن لتسديد الايجارات والضرائب المتراكمة عليه. وكانت هذه بداية الانهيار الاقتصادي والصحي له. كما فقد في هذه الفترة والده. واعتقل ثم حكم اخاه الأصغربالسجن المؤبد من قبل محكمة الثورة لأسباب سياسية. وتبعها استشهاد اخيه في الحرب وفقدان الآخر. لقد رتبت هذه الاوضاع اشتراطاتها وانعكاساتها بطرق واخرى على الشاعر الراحل واوضاعه الحياتية وتعمقت غربته التي صاحبها العزلة، كما تعمق اندفاعه بقوة الى المكوث والاحتراق داخل الشعر. ارسل في اواسط هذه الفترة مجموعة من النصوص الى (كاظم جهاد) بناءا ً على طلب الاخير، لكن الرقابة قد اعادت النصوص اليه مؤشرة باللون الاحمر تحت عدد من المقاطع. في هذه الفترة انتج مجموعته التي اسماها لاحقا( دم ني) والعنوان هو لقصيدة كتبها الى اخيه الشهيد في الحرب العراقية الايرانية. كما ان قصيدة (فيما مضى) التي نشرت في التسعينات هي نتاج اواخرهذه المرحلة. لم يحضر الشاعر الراحل في هذه الفترة اي نشاط في مايخص الثقافة تحت قبضة السلطة ولم يشارك في اي مهرجان من مهرجانات الديكتاتورية التي كان يحج الى مغانمها الكتاب العراقيين والعرب ومنها مهرجان المربد. ولم ينشر اي نص شعري في صحف ومجلات النظام، بينما كان الكتاب يتسابقون لنيل مغانم وعطايا مديح الدكتاتورية الملطخة بدم القتلى والشهداء في سجون النظام او في الحروب. انها من اصعب المراحل التي امتزج فيها الخوف وهاجس البقاء حيا مع المحافظة على بياض ونصاعة الذات دون تلوث او نخاسة من السائد وانتاج النص الشعري المبهر والمغاير.

مرحلة التسعينات

شهدت هذه المرحلة تداعيات غزو العراق للكويت ومالحقها من الحرب والحصار الكارثيين على البنية الاجتماعية والاقتصادية في العراق وقد كانت هذه الفترة عصيبة على الشاعر الراحل، اذا شهدت تدهور حالته الاقتصادية والصحية واستمراره في العمل كأجير في الافران.لكنها على المستوى الشعري كانت خصبة وتميزت بتعميق وتطوير اسلوبه في قصائد ( جنائن أدم، أعشاب آسيا، حجارة التوازن). حيث انتج قصائد (شتاء النقود، بلادي، عند بلادي، تهجي اللقيا، الخباز)، وغيرها من النصوص التي اعادت تسليط الضوء عليه داخليا هذه المرة، وصاحبها دخول مجموعتيه الشعريتين الصادرتين في الخارج وبداية حملة التربص به والاساءة له، وخاصة بعد انتقاله الى بغداد للبحث عن عمل (وهذا حال الجنوبيين الأجراء بعد الانتفاضة الجنوبية واثناء الحصار). وقاد هذه الحملة (رعد بندر) وبتوقيع (عبد الزهرة زكي) وآخرين على صفحة مجلة (أسفار)، وخاصة بعد نشر قصيدة (فيما مضى) في مجلة الأقلام العراقية.وسرقة نصوصه الأخرى بالتحايل ونشرها في جريدة الجمهورية. وقد أربكه هذا الوضع وزجه في حاضنة الصراع الذي لا يتقن التعامل معه وادارته او خوضه بأقل الخسائر. فاندفع كاليعسوب الى عالم العزلة وادوات الاحتراق والمكوث المغلق تماما هذه المرة في الشعر. وقد كان سلاحه الدفاعي هو انغماسه بمعاقرة القصائد، والخمرة كآلية دفاع عن وجوده، حيث كان يعتقد ان صفة الادمان ورداءة المظهر ستنجيه من المحاسبة السلطوية، وستجنبه الكثير من مطبات واحابيل الوسط الثقافي وادواته السلطوية وطرقه الجاستبوية، بعد تسليط الأضواء والاعين عليه نتيجة دخول مجموعتيه الشعريتين.وكان الاصعب امنيا هو تسليط الضوء عليه من خلال (اذاعة العراق الحر) المعارضة والتي كانت تبث برامجها من كوردستان. وهذا الامر سبب له الوقوع تحت اهتمام عناصر المخابرات والبحث عنه واستدعائه للاستجواب. فانغمس بالخمرة واهمال نفسه والايحاء للآخرين بالجهل والمرض النفسي. قد تكون هذه الحلول ساعدت على اهمال السلطة له وتهميشه، لكن اساءت له على المستوى الشخصي ومن قبل الآخرين وفتحت باب التقولات حول كون هذا الشخص لايملك الأهلية لانتاج هذا الشعر المبهر والمدهش بامتياز لايضاهى. واستمر الاهمال المقصود له من قبل ماسمي بالوسط الثقافي في الداخل اثناء هذه الفترة والتنكيل به. لكن على المستوى المعيشي والصحي كان اكثر وطأة لتردي صحته وكبر سنه حيث بلغ الخمسين. فهل يتمكن من مقاومة نار افران الخبز في صيف العراق اللاهب ؟؟. قد وصل به الامر في الاندفاع نحو العزلة ان عمل في احد المطاعم على الحدود العراقية الاردني وبصفة خباز ايضا. واستمر هذا الحال من العزلة والمرض وفرص العمل الشحيحة ومحاولة المحافظة على الذات الى الحد الذي لايوقعه في مخالب السلطة ورموزها وادواتها وخاصة مايسمى الوسط الثقافي متنقلا بين الافران والفنادق الرديئة والجوع والفقر المدقع. حتى سقوط النظام الصدامي واحتلال بغداد بالدبابات الامريكية.

مرحلة خيارالذهاب الى الموت

في خضم الفوضى التي حدثت اثناء بداية سقوط النظام الصدامي و(احتلال) بغداد وماصاحبها من تيه وخراب، لم يتمكن هذا الشاعر المتعب بسنين العذاب والاغتراب والمرض ومعاقرة الخمر والجوع ونيران أفران الخبز من تنظيم وضعه المعاشي، للغياب التام لفرص العمل وكبر عمره ومرضه وعوزه وفقره وازدياد معاقرته للخمر، وصعود التيار الديني الراديكالي الأمي واتساع ساحة الجريمة والقتل. فلامكان لهذا الشاعر المسالم الذي لايتمكن من سد قوت يومه، وغير القادر على اللهاث وراء فضلات الفوضى و(الاحتلال) وما افرزه من تداعيات. فكان الشارع ملاذه والرصيف بيته. هل استطاعت الدولة ان تقاوم هذا الطوفان حين تحولت الى مجرد ركام وتبخرت كما هو السراب؟؟ فكيف بهذا الشاعر العليل المثقل بحساسية متقدة، وبألم عمره الممتد عبر النفق الخمسيني، والمتجذر في هشاشة الجسد الناحل. وجع الأحلام المتسربلة في العدم وفي خواء الحياة. الم الأسئلة المكلومة والمتراكمة في صراخ القصائد. كيف يمكن مقاومة شراسة الواقع ـ الفوضى بدون خسارات جسيمة، لم يعد (الجسد، الروح، الشعر) قادرا ان ينجو من طوفانها المدمر. تلك المعادلة التي نظر لها المرتزقة والاغبياء (من طوابير الامية الثقافية، طوابير المهرجين في قافلة السيرك الثقافي. طوابير المومياءات) على انها خارج ازمانهم الكسيحة المثيرة للشفقة والرثاء. طوابير الجثث المتعفنة التي شاركت بقتله. فلقد مات مقتولا حسب تقرير الطب العدلي (اثر حادث مع كدمات على الوجه وضربة قرب الانف بعمق 2سم) وليس كما روى السماسرة من تلفيقات ماجنة. لقد قتل مرات ومرات وكان رحيله اشراقة روح، ووصمة عار بجبين هذه البلاد وثقافة العهر التي تشكل السمة والملامح لكل المراحل بلااستثناء. ثقافة تجلس على عرش السمسرة بامتياز. ثقافة لامكان لك في حاضنتها المتعفنة، فهي لاتحتمل الطهر والنبل. فقتلتك. لكنها وانت في قبرك لازالت ترتعد فرائصها منك وتكتشف خوائها. ايها الشاعر لقد رحلت وانت تقول(في حناياي اغنية لم تكتمل). لكنها اغنيتك النبيلة التي سال دمها على ارصفة البلاد الغارقة في العتمة ، البلاد التي يقودها السماسرة الى التيه والخرابات الابدية. لقد أرقتهم قصائدك وستبقى تؤرقهم. وماذا سيكون شكل ارقهم وخيباتهم حين ستصدر قريبا قصائدك التي لم تنشر. مؤكد، وانت في قبرك الاكثر حنوا من هذه البلاد، سيدركون انهم كانوا ولايزالون محض مومياءات وفزاعات برداء مهلهل، ومحض اكاذيب ولاعبي سيرك من الدرجة العاشرة.نم ايها الشاعر النبيل طاهرا، فقد كنت صنو الشعرالملائكي حتى اخر قصيدة وجدت في جيبك وانت في الطب العدلي.نم في قصيدة قبرك الاكثر نبلا وطهارة من عوالمهم المدنسة بعهرها. نم في ملكوتك، فقصائدك القادمة ستصرخ بهم، كما صرخت انت عاليا بوجوههم المدنسة..

[هذه الجثث بحاجة الى قيامــــات]



ناقد عراقي

عن موقع كيكا





--------------------------------------------------------------------------------

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 22 يوليو - 21:54