م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


ألـف ليلـة إلا ليلـة... (يوميات عـازب)!

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

ألـف ليلـة إلا ليلـة... (يوميات عـازب)!

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الجمعة 31 أغسطس - 2:48

كان جدي لوالدي – رحمه الله - له ثلاثة عشر من الأبناء الذكور، وستة من الإناث، وزوجتين!
وكان جدي لأمي – رحمه الله أيضاً – له من الأبناء الذكور ستة، وأربعة من الإناث، وزوجة واحدة
وكان أبي – ما زال يتنفس – له من الأبناء أربع ذكور، وزوجة واحدة!
ولمن لا يعرفون فان جدي لأبي هو ابن عم جدي لأمي!
فصلة القربى عندنا لا تفنى أبداً، فمن المحتوم نصيباً أن يتزوج أبناء احدهم بنات الآخر!
فالو يل والثبور، وفظائع الأمور لمن تملص أو حاول مخالفة تشريعنا المهبب السعيد!
صباح الاثنين الحزين 8/7/1999
قررت الزواج!
كانت ليلة باردة – ومنيله بستين نيله – يجوب سمائها نصف قمر يحتضر!
جلست في الطرف الأغر من "الكنبة" في مواجهة أبويه عبد الجبار، يفصل بيننا قصعة يملأها فحم مستعر "لزوم الشيشة"!
وبينما كانت السماء في رعد وبرق، وصوت ذئب يعوي من بعيد، كنت وأبي نستعرض معاً فتيات العائلة المصونات لاختيار اقلهن توحشاً وأكثرهن نشاطاً لتكون زوجة لي...
قال "أبويه" وهو يشد النفس الرابع والخمسين من نرجيلته، بينما تنتشر من منخاره العظيم سُحباً دخانية كفيلة بسقوط أمطار رعدية صيفاً:
الزواج يا ولدي نص الدين، وبيني وبينك الزواج هو الدين كله!
كنت ابناً باراً لا يهوى المعارضة، فقلت:
- اللي تشوفه يا أبويه، بس أنا كنت بفكر واقترح أني أتزوج البت خيرات المستكينة بنت الحاج خيري الضلالي!
فقاطعني وقد أرهقه أن أقترح، فضلاً عن أن أفكر، فقال عن قناعة:
- يا حمار إحنا عارفين عروستك من قبل ما تتولد، لزومه إيه كتر الكلام! عروستك هي بنت ابن عم أمك الحاج صلاح ابن خالة السيد منصور تاجر العلف!
- بس يا أبويه عم صلاح عنده ست بنات!
- وماله يابني اختار اللي تناسبك فيهم!
- بس أني ما اعرفش ولا واحده فيهم
- وهي دي مشكلة، أنا اعرفهم، واخترت لك البت اللهلوبة الصغيرة!
- اللهلوبة!
- ايوه البت أمينة المتحركة!
- بس دي عيله يا حاج ولسه صغيرة!
- وماله يا جحش، أتجوزها وبعدين نبقى نربيها!
ثم استغرق فرعون – أبويه – مفكراً بعمق، بعد أن نفث في وجهي عشرين نفس معسل كفيلة بجعل الحياة ضبابية تماماً قبل أن يقول مطمئناً:
- ها... قولت إيه؟
- قولت لا اله إلا الله!
- بففففففففف، يبقى السكوت علامة الرضا!
- بفففففففف هي الأنفاس النرجيلية الأولى بعد المئة، والمندفعة رأساً من منخار أبي المجوسي نحو زعانفي المسكينة، والتي تعني ضمنياً أنه سعيد بموافقتي!!
حقاً خير الكلام ما قل ودل... خصوصاً ما يختص منها بـ بففففففف!
- بكره نروح لعمك صلاح نتكلم معاه وناخذ رأي العروسة، زي ما أخذنا رأيك!
ثم استطرد مستريح الضمير قائلاً:
- أيوه، الشرع والأصول يا ولدي مفيش أحسن منه!
فكرت لثانية أن اعترض، لكني آثرت السلامة، فـ (لا)، قد تعني انها الأخيرة قبل مواراتي الثرى!
لذا، أومأت برأسي مستسلماً، متصنعاً سعادة قهرية، محاولاً الهروب مفلسعاً من أنفاس المعسل المتجهة قسراً نحو خياشمي المغلوب على أمرها!
حدث هذا، بينما السماء في رعد وبرق، وصوت ذئب يعوي من بعيد...!
في اليوم التالي ذهبنا إلى عم صلاح لخطبة اللهلوبة...
وهناك، في بيت عم صلاح - ابن خالة السيد منصور تاجر العلف – كانت الاكتشافات مرعبة...
مرعبة بحق!
عندنا في الريف يستيقظ الدواب والبشر في وقت واحد متعارف عليه...
فقبل صلاة الفجر بنصف ساعة يبدأ يومنا!
الثلثاء المبهور 5/7/1999
استيقظت من نومي شاعراً أن للسماء لون اسود جميل، وان حياتي المقبلة لن تكون أكثر سواداً... لذا تفاءلت خيراً!
طبعاً كانت هناك كمية هائلة من أحلام اليقظة السعيدة، والتي استيقظت على إثرها "مبسوطاً" بعينين لا تريان!
رأيت في احدها نفسي معلقاً من قفاي بين السماء والأرض في فراغ مهيب، وأنا أردد في آلية: حاضر يا حاج!
في الحلم نفسه، رأيت أبي يسحب من نرجيلته النفس 921، قائلاً في حنان لا يطاق:
والله وكبرت يا جحش، وحشوفك عريس!
كنت والحاج أبو محمد اتفقنا على زيارة عم صلاح بعد صلاة العصر...
ولمن لا يعرفون فأهل الريف يتخذون اغلب قراراتهم المصيرية في هذا التوقيت- بعد العصر- دائماً بعد العصر...
جاء العصر سريعاً على غير عادته، فسقنا الرحال إلى بيت عم صلاح، وسط دعوات أمي الطيبة، وشماتة أبي العزيز!
المفاجأة إننا وجدنا عم صلاح يستقبلنا متوقعاً مجيئنا، وعلى شفتيه أخبث ابتسامة رايتها أبد الدهر!
الخبيث كان يعرف ولا اعرف كيف إننا سنزوره!
بل أكاد اجزم انه كان يعرف سبب الزيارة!
عندئذ، لعبت الفئران جمبازاً في جوارحي!
فأيقنت أنه – أي أبو اللهلوبة – له علاقة بجهات معادية للصحة النفسية، ربما كان أيضاً عميلاً لجهات معادية، من يعلم؟
ربما هو مخطط صهيوني لتدمير آمال الشباب بتزويجهم!
وجلسنا...
هو وأبي، والضبع الحزين!
اعتقد أنكم تعرفون الضبع الحزين، لا داعي لتذكيركم به...
وعلى أريكة من العهد العباسي، تراءت لي صورة للمهاتيما غاندي وهو يأكل الملح، ويبتسم لي مشجعاً...
جلست مستغيثاً بالرمضاء في صبري، باذلاً محاولات طروادية كي لا افر نافذاً بحريتي!
وما هي إلا لحظات...
حتى دخلت علينا أم العروس يحيط بها هالة ملائكية من الشحوم معلنة عن وجودها في شمم!
كانت تحمل أربعة أقداح من الشاي شديد السواد، وعلى ثغرها نفس ابتسامة عم صلاح!
يبدو أنها أيضاً عميلة لجهة ما!
قبل أن تفكر زوجة عمي بالجلوس، قال لها عم صلاح بغلظة كاشفاً عن صفين من الأسنان البترولية:
- اطلعي بره يا ست... القعدة النهاردة قعدة رجالة!
تمنيت أن تغضب أم العروسة أو أن تحتج...
تمنيت أن تفتك به، أو تتخلص منه!
ربما هي فرصتي السانحة لأمارس "فرار الضباع" الشهير نافذاً بعزوبيتي الفقيدة!
لكن ما أخافني، وجلجل في الرهاب فزعي، هو أن ابتسامتها تضاعف في استفاضة خلال فيمتو ثانية!
بل انها – أي المرأة النازية - أصدرت صوتاً "مسرسعاً" خرج منها تعبيراً عن الفرح والحبور!
يبدو انها توقعت مصير الضبع الحزين الجالس بين عملاقي القدر الآن!
قبل أن استوعب التفاصيل، رأيت عم صلاح يرفع يده في نرجسية، وبصوت يثير نياط التمزق في القلوب قال:
الفاتحــة!
قالها كأي جزار يحترم نفسه!
لا اعرف كيف اصف شعور الكتكوت المبلول عندما تكون الأجواء رعدية!
لكنني عرفت هذه المشاعر، بل وتعاطفت معها كثيراً!
هكذا، بهذه السرعة ودون أن نتحدث في التفاصيل... ماذا عن المهر والشبكة، الفرح والدموع، أين الوصايا السبع للعريس؟
ماذا عن غرفة النوم والبوتاجاز والخلاط... وكل ما من شأنه تحويلي بوهيمياًً!
من حقي أن اعترض!
والآن، وليس غداً قبل فوات الأوان...
لذلك، وبشجاعة نادرة حقاً، قلت بجبروت مخيف:
يا جماعة المفروض نأخذ رأي العروسة، ما يصحش كده!
قلت ذلك، وتأهبت راضياً أن توافني المنية، فالموت حق، والآخرة ألطف!
لكن مخيب الرجا، عم صلاح – مشتت الآمال - قال وقد تحولت ابتسامته الخبيثة إلى ضحكة وحشية:
يا محمد يا بني إحنا بنشتري راجل، عموماً العروسة وافقت خلاص! إحنا خدنا رأيها بعد الظهر!
ثم واصل بتواضع قوله: هي الحمارة حتلاقي أحسن منك فين!
ومرة أخرى رفع يده كأمين شرطة يخوض أشرس معاركه في قفا احدهم، قائلاً: الفـاااااتحة!
الم اقل لكم انه عميل، اخذ رأي العروس بعد الظهر وإحنا رحنا نطلب خطوبة بنته بعد العصر!
الآن تأكدت ظنوني، الرجل عميل، وزوجته نازية، لا احتمال آخر!
وفي لمح البصر طلب عم صلاح من زوجته المفترية أن تنادي العروس الحمارة!
هذا الرجل وأبي متفاهمين تماماً، بل أنهما عبقريان أيضاً!
ليتني اعرف كيف استنتجا أن الحمار للحماره... كما الطيبون للطيبات!
بعد اقل من 45 ثانية، جاءت الضحية... ومعها أمها تحمل النرجيلة للرجالة!
ألا لعنة الله على الشيشة، والنرجيلة، وأم العروس في وقت واحد!
بعضكم الآن يتساءل: ها... وبعدين؟ كيف كانت هيئتها؟!
أسمعكم تقولون:
صف لنا يا ابن الأرض – ألا بارك الله فيك من نمام!
لهؤلاء أقول... أقول لهؤلاء:
انتم خبثاء جداً بارك الله فيكم، يبدو أنكم أيضاً عملاء لجهة ما!
لكن لا أخفيكم سراً – وأنا اللئيم - إنني عندما رايتها استغرقت في "البصبصة" وقتاً لا بأس به، متناسياً أسنان عم صلاح، وأرطال أمها!
لم يمضي على استغراقي في ذلك – أي البصبصة - وقتاً طويلاً، حتى قال أبويه:
على بركة الله، ليكن زفافهما الخميس المقبل!
وفي ذاتي تساءلت بعد أن تمحورت معتقداتي 180 درجة:
كم هو بعيد هذا الخميس، حقاً إن لفي بعض النساء قوارير، لأكونن إذن في الخميس ذئباً!
واخد بالك يا أخ (حالم) – ذئباً-!
ولم انس أن أبارك لنفسي داعياً في ابتهال:
اللهم اجعلها لي نعجة مباركة، واجعلني لها بعيراً مخلصاً!
حدث هذا... بينما السماء في رعد وبرق، وصوت ذئاب تعوي من بعيد...
في اليوم التالي أوشك منزلنا على الانهيار...
هناك جرار زراعي يطرق باب المنزل!
ترى من الطارق؟
غداً تعرفون...
حتماً سأعود...
فحديثنا لم ينتهي بعد...
يتبع..


عدل سابقا من قبل في الأربعاء 17 أكتوبر - 9:08 عدل 3 مرات



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: ألـف ليلـة إلا ليلـة... (يوميات عـازب)!

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الجمعة 31 أغسطس - 2:50

[[ 3 ]]

الأربعاء الوردي 9/7/1999
استيقظت موقناً أن للسماء لون وردي بهيج، وان الحياة لن تكون أجمل مما هي عليه، لذا تفاءلت خيراً... وذهبت لعم رضا الحلاق!
ثم مررت على الأقارب والمعارف والأعداء، في الكفور والنجوع والقرى المجاورة والنائية، مؤكداً عليهم ضرورة الحضور إلى حفل زواجي، ممنياً نفسي أن يرفضوا دعوتي!

مع ذلك، عدت موفور التعاسة خائب الرجا، فقد استقبل الجميع الدعوة بمزيد من الحفاوة والترحاب!
وكأنهم بذلك – أي الأنذال - وجدوا الفرصة مواتية لمراقبة إفلاسي الشهير عن كثب!

كنت محبطاً بشدة، فقررت المجازفة، فذهبت من فوري لاشتري حذاءً جديداً غير الحذاء القديم الذي اشتراه لي أبي أيام الجامعة، وذلك على سبيل التضحية!

أما أمي الحبيبة فقد انهمكت في نحر البطات الحزينات، وتلك الاوز الكسيرات، نازعة أوصالهن بلا رحمة، مجتثة رقابهن دون وازع من ضمير!
يا لتوحش الإنسان...
صبراً بطاتي الحبيبات... وداعاً إلى لقاء قريب!
ما كدر خاطري حقاً هو إنني أعرف يقيناً أن هذه القتيلات ستكون وجبات حزينة في كروش معازيمنا السعيدة!

أما أبي فقد استقصى لنفسه ركناً طينياً في عقر دارنا، واضعاً بين يديه قصعة مستديرة يئن في داخلها خمسيناً من الجمار الملتهبة، وبجواره برميلين من الشاي... متأهباً – كما رأيته - لسحب مليون نفس معسل على سبيل الاحتفال بالتخلص مني!

كانت الإضاءة خافته، بينما نيران الفحم متأججة، فبدا انعكاس وجهه مشتعلاً، ولسان حاله يقول:
من بيتي يا ولدي إلى بيت الزوجية، ومن هناك للقبر عدل...!
بأنفاس سريعة رأيت أبي يطارد "دخان" حلمه ليراني في القبر عدل!

خرجت من غرفتي شاعراً بين كل هذا الزحام أن الحياة أصبحت حقيقية!
كدت ابكي مطالباً بالعودة طفلاً، ألعب في التراب متشحاً اللا سروال!
مستمتعاً بوضع الطين في عيني وفمي...
سعيداً بأنني الأحمق القادر على أكل مخاطي متلذذاً!
آه... يا لذكريات الطفولة السعيدة!
***

الواحدة ظهراً...
منزلنا يوشك على الانهيار!
عجباً، هناك جرار زراعي يطرق باب المنزل!
متملصاً من آهاتي، قمت مقسماً أن افتك بالطارق... لاركلنه ركلاً مبرحاً حتى يفيض غيظي انهاراً!
كانت حماتي هي الطارق...
آثرت السلامة... وابتسمت متملقاً بغير سعادة، ماداً لها يدي بترحاب فرزدقي قائلاً:
أشرقت الأنوار، ألا ليتها ما أشرقت!

حماتي الفاضلة لم تضع الوقت في التفاصيل، وإنما وجهت لي تسديدة مباشرة أسفل قدمي - كأي بلطجي محترف - كي أفسح لها الطريق!
ولم تنس أن ترد التحية مؤكدة انني اقرع... وأهبل!

عندئذً تأكدّ لي أن العصر الجوراسي لم ينتهي... وانما بدأ تواً!
تحسست شعر رأسي في قلق لاتاكد إنني لست اقرعاً، موقناً أن أياماً بهيجة تنتظرني!

حدث هذا، بينما السماء في رعد وبرق، وصوتاً لـ 6 ذئاب تعوي من بعيد...!

[[ 4 ]]

مرّ الوقت سريعاً، وجاء الأعداء - أصدقائي سابقاً- لمواساتي!
وبينما نحن جلوساً في قمة سداسية مغلقة، بهدف رسم خارطة الطريق إلى ليلتي المنتظرة، كانت السماء في رعد وبرق، وصوت 6 ذئاب تعوي من بعيد!

صديقي متولي الكاسح "ملاكم مغمور" أزبد قائلاً:
- أوعى تديها نفس، خش في الموضوع، وجيب م الأخر، وأول ما تشوفها بدأت تدوخ، أديها بالقاضية!
الجدير بالذكر إن متولي الكاسح، عضو نشط في نادي السكة الحديد التابع للمحافظة!

أما صديقنا علي النمس "محترف كرة شراب"، فقال ناصحاً إيايّ محذراً:
اوعاك تخلي العروسة تسدد قبلك، مستقبلك المهني في خطر، ركز معايه يا أخ محمد، لازم تسدد أنت الأول!
يشار إلى أن علي النمس لم ينجح خلال العشرين سنة الماضية في تسديد أي كرة في أي مرمى لأي خصم!

أما صديقي صبحي الرزين، فاستمر يبكي مواسياً لنصف ساعة، قبل أن يقول:
الغرس الجيد في المرة الأولى يعطي نتائج جيدة، المهم الغرس يكون مضبوط!
صبحي الرزين خريج كلية زراعة، تخصص محاصيل!

لكن الأخ عبده حوادث "سائق لوري" ابدى لنا وجهة نظر مختلفة تماماً، فقال منفعلاً:
خليك دايس بتزين لحد ما الماكينة تضبط معاك، وإن ما حصلش، أبقى هدي شويه، عشان الكمبوروسر ما يسخنش!
طبعاً الحبيب "دبابة" اجدع سواق لوري ممكن تقابله في حياتك!

مع ذلك، ومع جوهرية هذه النصائح، كان للأخ المناضل عكاشة السريع "بلطجي المنطقة" رأي آخر!
فقال ممتعضاً بينما رذاذ ما يتطاير من شفتيه، في ظل شعاع ما يلتهب في عينيه:
يا أخ محمد اضرب الحديد وهو سخن، فاهم يا أخ محمد وهو سخن، اسمع كلامي أحسن لك!

ثم وضع إحدى يديه في عيني على سبيل تأكيد النصيحة!
من حسن حظي أن الأخ عكاشة صديق عزيز، ونصائحه ذات أهمية طبعاً!

انتهى عواء الذئاب الستة... بينما استمرت السماء في رعد وبرق!
###
أبديت لأعدائي – أصدقائي سابقاً - امتناني الشديد، لاعناً في خفايا القلب حظي الكسير...
فلولا وازعاً من ضمير، لكانت المحروسة بنت عم صلاح طريحة صندوق خشبي في طريقها إلى تايوان بهدف إعادة "تجميع أشلاء"!
وكأنهم - أي الأوغاد - يحسبونني سأتزوج قاطرة!

كنت قد ذقت ذرعاً بهم، فصرفتهم بطريقة هي اقرب للطرد، مبدياً لهم ندمي الشديد على الهواء الذي تنفسوه في بيتي!
***
بعد أن انصرفوا، وجدت الفرصة السانحة للاسترخاء!
لكن من قال أن الاسترخاء، فضلاً عن الفرص هو من حقوق المقامرين بالحرية!

فقبل أن التقط أنفاسي جاء أبي يرتدي جلبابه الواسع الأزرق، حاملاً في إحدى يديه نرجيلته الخالدة، وعلى رأسه طاقية بنية مزركشة أمالها قليلاً كي يبدو سعيداً!
دخل الوالد غرفتي، فتكهربت أجوائي...
ألا أيها الليل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح عنك بأمثلِ!

وبهدوء يثير الهواجس، جلس قبالتي على "الكنبة"، حيث تصطرع المخاوف والزعابيب تباعاً، ناظراً نحوي بنفاذ بصيرة، قائلاً بصوت دهاليزي سحيق:
يا محمد، أي بني، هل تعلم ما يتوجب عليك فعله الليلة؟!

قلت في نفسي متنفساً الصعداء:
آها، هي الحكاية كده!

مع ذلك قلت ببراءة عذراء العنكبوت في خدرها:
لا يا أبويه... والله ما أنا عارف حاجة!

وممزوجاً – أي أنا - بخبث الدهماء في مجالس الخلفاء قلت:
تكلم يا أبي لا فض فوك!

ومع غروب الشمس، واكفهرار السماء، خرجت من فم أبي الوصايا السبع المباركة، تصاحبها أنفاس النرجيلة الحبيبة!
الحقيقة – والحق يقال - أن نصائح أبي كانت ذات قيمة، بعيدة كل البعد عن نصائح أصدقائي "المعفنين" و"اضرب الحديد وهو سخن"!
وكأني سأتزوج ماسورة... ألا لعنة الله عليك يا عكاشة!

بعد ساعات...
في ما بين الحبور والسرور نمت ملتاعاً تصحبني الاشواق إلى غدٍ...
غداً حيث وداعاً للعزوبية...
غداً حيث شهرزاد تروي، بينما شهريار ينصت صامتاً!

حدث هذا بينما السماء في رعد وبرق، وصوت حصان يصهل من بعيد...!
وما زال للحديث بقية...

يتبع...



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: ألـف ليلـة إلا ليلـة... (يوميات عـازب)!

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الجمعة 31 أغسطس - 2:52

[[ 5 ]]

الخميس المنتظر...
هذه ليلتي...
وكانت بحق ليلة ليلاء...
ما زلت اذكر يومي الدراسي الأول، عندما قرر أبي أنه حان الوقت لأتعلم...
اذكر أنني كنت خائفاً، وأن أمي ذهبت معي مشجعة، من ثمّ أدخلتني الفصل بعدما وضعت في حقيبتي كراسة وقلم و17 سندويتش... وبرميل مياه، وغيارين من الملابس الداخلية!

اذكر أنني كدت أبكي، أما أمي فكانت تبكي:
ح روح البيت أجيب لك "غطيان الكازوزة" عشان تلعب بيهم في الفسحة، ح ارجع عالطول، ما تخاف يا ولدي، إياك تخاف!

ما زلت اذكر مشاعر الهلع والخوف التي انتابتني بعد أن ذهبت أمي بـ 9 ثوان... اذكر أيضاً أن الطلاب الأكبر سناً لاحظوا أن أسفل ملابسي مبتل!
كانوا يضحكون، وكنت أبكي...
أين أنت يا أمي؟!
###
بدأت مراسم الحبور، فجاء المعازيم وكلهم سرور، ليس فرحاً بي، ولكن لأنهم سيأكلون طعامي مجاناً!
انشغلت النسوة بالزغاريد، بينما اخذ الرجال في العراك بالعصي والهراوات، مستمتعين بإسالة دماء احدهم الآخر!

عكاشة "فتوة المنطقة" اخذ يشرف على المذبحة راضياً، مؤكداً انه هكذا تكون الأفراح ولا بلاش!
في الجهة المقابلة، كان أعدائي الآخرين – أصدقائي سابقاً – مشغولين بحشو أطايب الطعام في كروشهم الفسيحة، وكأنهم لم يأكلوا بطاً من قبل!
كنت اعرف أنهم جاؤوا رأساً من بيت الفيل إلى بيتي!

كان يوماً سعيداً بحق...
7 أرواح فقط هي التي وافتها المنية يوم زفافي السعيد!
ولأنني رجل محظوظ، كانت الوفيات كلها من أقارب زوجتي...
أفادت المصادر التي واكبت الحدث الأليم، أن سبعاً من الوفيات أرديت قتيلة بنيران صديقة، نتيجة حماس غير مقصود من أقاربي الائتلافيين أثناء رقصهم البرئ ببنادق الكلاشنكوف!
###

انصرف الحضور والأقارب إلى بيوتهم هانئين...
فانصرفت إلى بيتي الجديد مشتتاًً، بعدما قضيت وقتاً طويلاً في التعبير عن امتناني لكل من حضر حفل زواجي، مؤكداً لهم ان العاقبة في المسرات، والأيام دول!

كما بادلني عم صلاح أبو زوجتي التهديد صمتاً... كانت عينانا في حرب ضروس!
قالت عيناه: ح أقتلك، لو فكرت تلمس شعره واحدة من بنتي يا معفن!
فأجابت عيني: كن على ثقة إنني لن اكتفي بذلك يا عمي!

أما حماتي الحنون فأخذتني بين ذراعيها بالوطيد، مبديةً عكس ما تضمر، مطلقة في أذني فحيح منذر:
لو بنتي اشتكت منك يا اقرع تقدر تعتبر نفسك من الأموات!
ثم استدارت المرأة الإخطبوط باكية، متجهة نحو ابنتها مواسية!
شكوكي في هذه المرأة تتعمق يوماً بعد يوم، أكاد اُقسم أن لها صلات خفية بمجهولين جاؤوا من كواكب مجاورة!

خلا المنزل إلا مني وأبي، كذلك أمي والعروس!
ومن بين ابتسامات ابويه الماكرة، ودموع أمي المشفقة، كان وداعنا الأخير...
وداعاً يا أمي...
###

أهواها كما تهواني... ويعشق ناقتها بعيري!
كنا وحدنا... لا ثالث بيننا!
مرة أخرى، راودتني مخاوف اليوم الدراسي الأول!
وأين؟
هنا، في بيتي الجديد، وأمام هذه الغرفة، مع فرق بسيط هو إنني أصبحت أكثر تحكماً في مسألة ابتلال ملابسي!

أشعلت سيجارة لعينة أهداها لي عكاشة "فتوة المنطقة" والتي لم أكن انوي استخدامها، لكنه أكد لي أنها – أي السيجارة – لها مفعول السحر!
استعنت بالله، طالباً غفرانه، ثم أشعلتها...
بعد أربعة أنفاس متلاحقة، خلت أن ثمة "نملة" تغني على معصمي!
كنت كسنجاب في ورطة!
ألا لعنة الله عليك يا عكاشة...!
بعد النفس الخامس، كنت كـ فراري في وضعية الدفع الرباعي في صحاري مدغشقر، هذا لو كان في مدغشقر صحاري!
###
أقبلت فأطرقت متلصصاً، ثم طرقت الباب طالباً السماح لي بالدخول...
لكن لا مجيب!
تنحنحت مواصلاً الطرق والإطراق...
وأيضاً لا مجيب!
طيب يا لهلوبة...
لاقتحمن إذن الحدود اقتحاماً، لنرى منا سيكون الأطرش بعد الزفة!
###
فور اقتحامي الغرفة، توقفت الـ فيراري، بعدما اعتزلت النملة الغناء، في الوقت الذي تخلص فيه السنجاب من ورطته!
كانت "اللهلوبة" قائمة تصلي، بحجاب ابيض جميل، مبتهلة لله في خشوع مهيب...
ألا لعنة الله عليك يا عكاشة...!

انصرفت آسفاً على فراغ نفسي وسوء توجهاتي، فذهبت من فوري لأتوضأ!
ثم معاً قمنا نصلي...
###
بعد 9 أشهر ويوم...
كان بيننا ثالث... أسميناه فارس!
بعد خمس سنوات، كنا خمسة، أنا وهي وثلاثة أبناء!

ماذا عن البقية؟
أبي طبعاً ما زال يشرب الشيشة... محيلاً "الحياة" إلى ضباب كثيف!
أمي ما زالت تبكي مشفقة...
عم صلاح رجل طيب جداً رغماً عن ابتساماته الخبيثة!
أم اللهلوبة... ما زلتُ مُتأكداً أنها سقطت سهواً من كوكب عطارد!
أما أنا فسعيد بكل هؤلاء...
وبكل ما قدموه لنا من حب...
وعطاء...

(انتهى)
ابن الأرض



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 20 أكتوبر - 10:09