م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


صلاح حسن/المدى الثقافي: في ذكرى جان دمو .. استيقظ يا جان سنعود إلى بغداد

شاطر
avatar
زائر
زائر

صلاح حسن/المدى الثقافي: في ذكرى جان دمو .. استيقظ يا جان سنعود إلى بغداد

مُساهمة من طرف زائر في الجمعة 16 يناير - 17:13




أين أنت يا جان ؟ لقد بحثت عنك في كل البارات .. لم يبق بار في شارع السعدون أو في شارع أبي نواس ألا ودخلته .. سألت عنك كل صعاليك بغداد .. أين اختفيت ؟ ذهبت إلى الفندق .. إلى السلم الذي تنام تحته فلم أجد غير فراشك البارد الرث.. ؟ لدي أخبار كثيرة ستسرك جدا .. اليوم بالتحديد ستصبح ثريا وستأكل وستشرب حتى اللعنة . هل نسيت إن مهرجان المربد سيبدأ اليوم ؟؟ هل نسيت إن الكثير من الأدباء العرب سيحضرون ؟ إن لنا أصدقاء بينهم وسيحصلون على كوبونات الطعام والشراب وسيعطوننا قسما منها ... الله .. أخيرا سنأكل بشكل جيد يا جان .. سنأكل ونشرب وربما نستحم في حمامات فندق المنصور ميليا .. أية سعادة تنتظرنا .. ولكن أين أنت ؟ هل تتذكر ماذا فعلت من أجلك في السنة الماضية ؟ أنت لا تتذكر أي شيء على الإطلاق .. أنا أذكرك ...

عندما حصلت على كوبون الطعام من صديقي الناقد المغربي الرائع بشير القمري أخذت معي كيسا من النايلون وملأته باللحم والرز وأخفيته تحت سترتي وجلبته لك . ولكن لا عليك .. هذه السنة ستكون أفضل لان الأخبار التي في حوزتي ستجعلك تطير إلى النجوم .. ستضحك وستظهر ضرسك الوحيدة بعد أن تكون قد شربت وأكلت ما يكفيك لمدة أسبوع . هل تعلم من حضر اليوم إلى المنصور ميليا ؟ لن تصدق .. أنهم رفاق الصبا .. جماعة كركوك التي بدأت معهم رحلتك مع الشعر الجديد .. سركون بولص وصلاح فائق وأصدقاء كثيرون لم ترهم منذ فترة طويلة جدا .. الم اقل لك .. سنأكل كثيرا وسنشرب كثيرا ..
أنها السادسة مساء .. سأعود إلى الأصدقاء بدونك .. ماذا افعل .. لم أجد لك أثرا .. ولكني تركت لك أخبارا في كل مكان .. لابد من أن يراك احد .. ليس من المعقول أن تختفي بهذه الطريقة . ستجدني في بار المنصور ميليا .. هكذا اتفقت مع الأصدقاء .. الأصدقاء الحميمين .. الأصدقاء القليلين الذين لم يحضروا لمدح الصنم وتسلم الدولارات .
سركون : ها .. وينه ؟
صلاح : ما خليت مكان .. ما ادري وين صار ؟
سيف : ربما يكون مسافراً ؟
سركون : صحيح .. يجوز رايح لكركوك ..
صلاح : جان يسافر ! وين يولي .. هو حتى بيتهم بكركوك ما يندله ؟ وبعدين هو ما عده لا هوية ولا دفتر خدمة ولا أية وثيقة والسيطرات بكل الشوارع وإذا لزموه بعد الله ما يطلعه .
سركون : لك هذا شنو هذا .. ما بطل ؟؟
صلاح : لا تخاف .. هو سمع بيك جاي .. هسه يجي ركض ..
بعد ساعة ونصف دخل نصيف الناصري وهو يرتدي زيا خليجيا .. لقد بدا مضحكا للغاية .. لان الدشداشة البيضاء التي يرتديها قصيرة بشكل واضح والعقال موضوع على رأسه بطريقة كاريكاتيرية .. والأغرب من كل ذلك انه كان يرتدي بسطالا ؟!
صلاح : ها ولك نصيف شمسوي بروحك ؟؟
نصيف : توني اجيت من الجبهة بملابسي العسكرية ورحت مباشرة على الشاعر عبد الله الصيخان فأعطاني هذه الدشداشة والعقال ولم يكن لديه حذاء على قياسي فبقيت بالبسطال .. شسوي .
صلاح : وجان .. ما تعرف وين ؟ سركون هنا موجود ويريد يشوفه ..
نصيف : لا بشرفك ! سركون هنا .. وينه ؟؟
* * * *
أين أنت يا جان ؟ الأصدقاء ملوا من الانتظار .. أنهم يتحدثون عنك عندما كنت في كركوك تقدم لهم طروحاتك وتنظيراتك عن الحداثة وقصيدة النثر وعن الشعر الجديد الذي ستبشر به .. أنهم يتحدثون عن الأب الروحي الذي ستكونه لجيل سيقلب المعادلات الثقافية كلها في العراق .. انهم يتحدثون عن اخلاصك العجيب لنفسك ولفنك .. عن نقائك وعن قدرتك النقدية التي لم يمتلكها أي ناقد عراقي عاصرك في مجال الشعر ... عن عدم مهادنتك لكل ما يسيء إلى الإنسان .. عن صدقك ونقاء روحك الذي قادك الى التشرد والضياع .. ضاربا عرض الحائط كل المغريات التي انغمس فيها أناس كثيرون من عديمي المواهب والضمير .. أنهم يتحدثون عن بواكير شعرك الذي لم يكن يشبه أي شعر كتب باللغة العربية الجميلة .. عن غربتك في وطنك الذي منح اللصوص والقوادين كل شيء ولم يترك لك مترا واحدا لتموت فيه .. استيقظ يا جان .. نحن ننتظرك .. نريد ان نعود مرة أخرى الى بار المنصور ميليا ونشرب ونأكل وندفع من جيوبنا التي سنملأها من خيرات العراق .. لن نستجدي بعد الان كوبونا من الشعراء العرب .. سنصنع مربدنا الشعري الخاص بنا .. سنصنع مهرجاننا الذي يمجد الجمال والحب والسلام .. مربدنا الذي يغني للطفولة والوطن الحر الذي أحببته بحق.
* * * *
ابن الحلال بذكره .. يدخل جان دمو مرتجفا من البرد لأنه لم يكن يرتدي سوى قميص في ذلك الشتاء اللعين .. لابد انه استبدل السترة بربع عرق .
صلاح : ها يا كلبة وين جنتي ؟؟
سركون : لك هلو جان ( بالاحضان ) هاي شنو ليش مالابس سترة .. لك انته شنو مخبل ! ( يخلع سترته الثمينة ويلبسها جان ) .
جان : اريد عرق .. آني جوعان ..
احد الشعراء العرب : تشرب ويسكي ؟
جان : انجب لك .. آني طلبت من سركون مو منك .
سركون : بسيطة .. دقيقة .. هسه يجيك العرق ..
جان : ( ينظر الى الحاضرين غير مصدق .. ثم إلى سركون الذي يجلس إلى جواره وهويطلق ضحكة مفاجئة ) لك صدق كذب شجابك شوصلك ( يتعانقان ) .. جان يشرب الكأس التي بين يديه ويخاطب سركون ..
جان : يالله يا حيوان ..
سركون : شنو ..؟
جان : طلع ..
سركون : شطلع ؟!
جان : فلوس .. شطلع !
سركون : ( يخرج ورقة نقدية فئة الخمسة وعشرين دينارا ذات الأحصنة الثلاثة ويقدمها إلى جان .
جان : ( يلتقط الورقة النقدية وينطلق الى الخارج ).
* * * *
بعد يومين يعود جان دمو الى بار المنصور ميليا مرتجفا .. لقد استبدل سترة سركون بولص الثمينة بربع عرق .
* * *
يقول.. علي بن ابي طالب العظيم ( الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا ) لذلك فأنني سأهتبل هذه الفرصة النادرة من يقظتك كي أخبرك ببعض الأسرار .. أنت الوحيد الذي يمكن ان يأتمنك أي شخص على أسراره لأنك أنت بالذات سر لا يفهمه الكثيرون . ولذلك يطالبوننا بين لحظة وأخرى ان نفسر لهم كيف يكون انسان بسيط مثلك ضمير امة دون ان يكون بطلا خارقا او فيلسوفا عظيما او نبيا مرسلا .. أنهم يطالبوننا بأن نقدم لهم معجزاتك لكي يسمحوا لنا بأن نطلق عليك اسم القديس .. انهم لا يعرفون او ربما لا يصدقون ان كل إنسان يمكن ان يكون قديسا دون معجزات او خوارق .. يريدوننا ان نصمت من جديد يا جان .. ولكنني لن اصمت وأريد منك ان تستمع لي حتى النهاية .
لم تكن يا جان القديس الوحيد الذي عرفته في حياتي .. وكنت قد وعدتك قبل قليل بأني أريد أن أخبرك ببعض الأسرار مستغلا يقظتك النادرة هذه . انت تعرف جيدا كيف ولماذا هربت الى عمان .. لذلك لا اريد ان اكرر هذه القصة ولكنني أريد أن اذكر لك أسماء القديسين الذين أنقذوا حياتي وحياة عائلتي .. قديسين مثل هؤلاء يمكن ان يقيموا جنة على الأرض .
بعد ان فزت بجائزة الأقلام الشعرية الأولى أقيمت لي الكثير من الأمسيات الشعرية التكريمية وكان آخرها في مدينة بابل مسقط رأسي . بعد انتهاء الأمسية جلسنا في مقر اتحاد الأدباء العراقيين / فرع بابل وكنت اظن انني كنت اجلس بين أحبائي وأصدقائي الحميمين فتكلمت بصراحة مفرطة عن رأس النظام الساقط وعن عبث الحرب والسجون والتعذيب .. ولا أريد ان أطيل عليك .. كنت منتشيا ومزهوا بنفسي فتكلمت عن كل شيء بوضوح تام .. ولكنني لم أكن اعرف ان – الصديق -! ( .... ) وهو شاعر شعبي وشيوعي سابق كان اعد بطريقة مدربة جهاز تسجيل مخفيا وسجل كل ما تفوهت به وارفق مع شريط الكاسيت تقريرا لمديرية الأمن العامة ووزارة الثقافة والإعلام ومن ثماني فقرات كل فقرة عقوبتها الإعدام .
بعد الأمسية بثلاثة ايام عدت الى بغداد وذهبت مباشرة الى مقهى حسن عجمي كالعادة ولكنني فوجئت بشخص لا اعرفه ينتظرني في المقهى .. قال لي قبل ان اجلس ان لديه أخبارا خطيرة تهمني وإننا ينبغي ان نتكلم خارج المقهى وبسرعة قال .. أخي انا مجرد فاعل خير وقد أرسلني صديق يعمل في مكتب وزير الثقافة والإعلام ويبلغك بأن عليك ان تغادر البلد فورا لان حياتك معرضة لخطر جسيم .. ( حين سمعت هذا الكلام بدأت ارتعش وأصبت بالإسهال ) .. وأضاف .. الصديق الذي يعمل في مكتب الوزير ويهيئ له البريد وجدت تقريرا عنك موقعا باسم يتكون من ثماني فقرات مع شريط كاسيت – نسخة منه الى مديرية الأمن العامة – بغداد .. وكل فقرة من التقرير تؤدي الى المشنقة !! وقد وضع صديقي التقرير تحت الكثير من الرسائل لكي يتأخر الوزير في قراءته بحيث يتسنى لك أنت الوقت الكافي للهرب .
برعب وارتباك شديدين سألت الرجل عن اسمه فقال انه مجرد فاعل خير ! ثم سألته عن اسم صديقه الذي يعمل في مكتب الوزير فقال انه ايضا فاعل خير ؟؟
* * * *
جان .. كيف يكون القديس ؟ ألم يكن هذان الرجلان قديسين ؟ ولكنهما قديسان مجهولان .. أنت عندما كنت تلعن الطغيان وحدك بجسدك الهزيل كنت تلعنه نيابة عنا .. كنت لسان حالنا .. كنت تحمينا جميعا .. فكيف يكون القديس ؟؟
لحسن الحظ انك مازلت يقظا .. لقد هربت في اليوم نفسه الى عمان .. وفي اليوم التالي اتصلت بزوجتي فأخبرتني ان المخابرات قد دخلت الى البيت عنوة وحطمت كل شيء وحين حاولت ان تمنعهم القوا بها الى الأرض فأنكسر ظهرها وعليها ان تجري عملية جراحية قبل ان تصاب بالشلل . هل أخبرك كيف كانوا يحققون معها في مديرية المخابرات ؟ هل أخبرك كيف اقتادوها الى المحكمة الشرعية في الرمادي واجبروها على الطلاق مني؟ لكن لحسن الحظ يا جان ان ارض العراق مليئة بقديسين مثلك .. لذلك قررت ان أهربها الى كردستان يساعدني في ذلك قديسون اثق بأن قدسيتهم تنبع من قلوبهم الإنسانية لا من السماء .. لان القديس لا يحتاج الى قوة خارقة لكي يكون قديسا . استطيع ان اذكر لك أسماء هؤلاء القديسين الصريحة الان بكل اعتزاز لان الصنم وآلته الجهنمية قد سقطت الى غير رجعة .. استطيع ان اذكر أسماءهم .. انت تعرفهم فهم من طينتك وعلى شاكلتك ... خالد مطلك .. القديس الذي كان يعيرك دنانير إضعاف ما كنت تطلب .. وكنت انت بقدسيتك تعيد له ما ليس لك حاجة به .. صلاح زنكنة .. القديس الكردي الذي كان يقدم لك الخمر كما يقدم الماء لقطيع عطش .. القديس الكردي الآخر محسن شوكت الذي استضاف عائلتي دون ان يعرف أي شيء عنها .. الأصدقاء القديسون الذين استقبلوها في الشام .. سامر حدادين القديس العذب من الأمم المتحدة ... جان ايها القديس لا استطيع ان أحصي كل القديسين الآن .. أنني متعب.. وأنت لحظات يقظتك قليلة ونادرة .. سأتركك الان تستريح ولكنني أعدك إنني سأعود غدا .. مع لحظات يقظتك النادرة لنتكلم عن القديسين .


صلاح حسن/المدى الثقافي

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 21 سبتمبر - 15:20