م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

شاطر
avatar
حسن سامي
عضو شرفي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 34
العمر : 64
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف حسن سامي في الثلاثاء 23 سبتمبر - 8:21




الفرق بين المذيع والإعلاميّ يتمثّل في أن للإعلاميّ مفهومًا أشمل، فصاحب هذا اللقب ذو باع في ضروب من الإعلام المرئيّ والمسموع والمكتوب.
وليس العمل الإذاعي في ذاته بالأمر الهيّن، بالنظر إلى المقوّمات الواجب توافرها في المذيع وتأثيره العميق في جماهير المتلقّين. وهو تأثير يشمل اللغة والثقافة والشخصيّة. ولهذا كانت العناية الكبيرة في الماضي في شأن من يُجاز من المذيعين: صوتًا ولُغةً وسمتًا وثقافة، كما هو الحال في شأن من يُجاز من المطربين. فكان المذيع إذ ذاك نجمًا، وخرّجت الإذاعة من ذلك الجيل لغويّين بارزين وأدباء كِبارًا. وهو ما انحدر مستواه اليوم كثيرًا، كمؤشّر ثقافيّ على الانحدار العامّ في أشياء كثيرة. لقد كان يُحاسب المذيع حسابًا عسيرًا في السابق على أدنى خطأ لغويّ أو عيب أدائي، فيما بات الخطأ يُسمع الآن، حتى في آيات القرآن الكريم، ولا اكثراث لذلك، لا من وسيلة الإعلام ولا من الجمهور. واللغة العربية تنتهك اليوم ليلَ نهار؛ وصار شيئًا معتادًا أن يسمع الناس المذيع والمذيعة، والممثّلين والمغنين، بل ربما الأدباء والشعراء والوزراء، يتحدّثون مستوى لغويًّا واحدًا هو لغة الشارع، بها يُذيعون ويكتبون في الأرض وعبر الفضاء الواسع. بل وصل الأمر ببعض بلدان الوطن العربي إلى تقديم نشرات أخبار باللهجات العاميّة.

وإذا كان للصحفي من يكتب له مقالاته ويصحّح له إملاءه- إن كان المنشور يحترم اللغة وأهلها- فليس للمذيع من ذلك من شيء؛ فهو ينفث في آذان الناس لغة مريضة لم يُحسن نحوها، ولم يفقه طريقة النطق الصحيح بها، ولم يتربّ على التعبير السليم بلغة أنيط به التعبير بها. هذا إلى فقرٍ مدقع أحيانًا في التأسيس الثقافي وسماجة فاضحة في الذوق وفي الفكر.

لأجل هذا فإن من يراجع تاريخ الإذاعات العربية سيدهش لانحدار مستوى المذيعين، الذي يعكس ما آلت إليه معايير اختيار من يشغلون هذه الوظيفة الحسّاسة من اهتزاز، فبعد أن كان الإذاعي- من قارئ نشرة الأخبار إلى المعلّق الرياضي- في مستوى متميّز جدًّا من الكفاءة الصوتيّة والأدائية واللغوية والثقافية، أصبح الجميع على شَفا جرف هارٍ من ذلك كلّه. هذا مع أن دور المذيع باللغة العربية أخطر من دور المذيع بلغة أخرى؛ من حيث هو يمثّل هذه اللغة في مجتمعٍ شحّ تعامله بها، فصار تلقّيها مرتبطًا بهذا الإذاعيّ أو تلك الإذاعيّة؛ حتى لقد اقترنتْ العربية الفصحى في مخيلة الناشئة والعامّة بلغة المذيعين وطريقتهم في الإلقاء. ومن عاصر بدايات الإذاعة العربيّة يذكر من نفسه أن العربية قد امتزجت في نفسه إبّان نشأته بهذا المذيع أو ذاك ممّن أُعجب بلغتهم وتأثّر بطريقتهم في الإلقاء، فإذا جاء يستخدم اللغة حاكاهم وتقمّص أصواتهم وطرائقهم في التعبير.

فأيّ لغة يسمعها الناشئة اليوم؟!

وماذا يحاكون في هذا الخضمّ من الأصوات المعتّقة بالعامّيّة، أو بالتكلّف والتصنّع ونمطيّات الجمل الممطوطة بلا مضمون، والاهتمام الزائد بالشكل في التلفاز؟ مع أن المقوّم الأوّل للمذيع هو لغته وصوته لا صورته وشكله، وعلى الرغم من أن تأثير هؤلاء قد لا يقلّ عن دور المدراس في ضعف اللغة وقوتها في عالمنا العربي.

أمّا السؤال عن مذيعي المفضّل أو مذيعتي المفضّلة، فلعلّ الإجابة تُستشفّ ممّا سبق؛ إذ لا أجد الآن من يلفتُ نظري، أو بالأصح يسترعي سمعي. وأمّا في الماضي فأبرز المذيعين السعوديّين- في تقديري- كان المذيع (بدر كريّم). ولعلّ تأخّر إسهام المرأة بقوّة في هذا المجال لم يجعل لها مكانة تُذكر فيه. غير أنه يمكن أن يُشار في هذا السياق- مثلاً- إلى المذيعة (هُدى الرشيد)، من (القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانيّة).
الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيْـفي

ـــــــــــ * هذه مادة طُلبت من مجلة "سيدتي"، ضمن تحقيق حول "المذيعين والمذيعات العرب". غير أن المشاركة تعرضت للاختزال، والتصرّف، وتقويلي ما لم أقل، وفق ما نُشر في المجلّة، العدد 1437، السبت 20 سبتمبر 2008= 20 رمضان 1429هـ، ص61. وتلك شنشنة نعرفها من بعض الإعلام العربي، للأسف الشديد! وهنا المادة كما أُرسلت إلى المجلّة.
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

د. عبدالله بن أحمد الفيفي/مساقات /بين امرئ القيس وابن لعبون !

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الخميس 27 نوفمبر - 5:09






ما زلتُ أنهجُ مِن مُراكضتي وراءكِ
قبلَ ألفٍ مِن سنينْ!
ما زال يكتنفُ الوجودَ بخافقي
صوتُ المسافةِ في الأنينْ!
فمتى تُرايَ سأستريحُ بحاضري
مِن كلّ ماضيكِ الحزينْ؟!
........................................

في ذلك الماضي، الذي نصفه بـ"الجاهلي"- ويخيّل إلينا أن صفة (الجاهليّة) فيه مرادفة لصفة (الجهل) و(التخلّف)- نقف على أطلال شعرٍ لا يستقيم حضوره مع غياب المعرفة والفكر والخيال والإبداع عن أهله، بحال من الأحوال.

نعم، لقد كانت خياليّة الشاعر القديم، حتى في العصر الجاهلي، أرقى وأعمق بكثير من خياليّة الشاعر العاميّ في العصور المتأخّرة، الذي نزعم أنه الوريث الشرعي لذلك التراث وابن بيئته نفسها. كما كان الشاعر إذ ذاك أبعد غورًا في التصوّر النقديّ لطبيعة الشِّعر ووظيفته الفنّيّة والوجوديّة. وأنّى لشاعرٍ عامّي أن يأتي للمزايدة على ذلك الشِّعر؟! إنه إذ يفعل ذلك إنما يُخبِر عن جهله المركّب، بالشِّعر وبالتراث.

وليس السبب في ذلك أن حياة العرب القديمة- اجتماعيًّا وحضاريًّا- كانت أرقى من حياة المجتمعات العاميّة في القرون المتأخرة فحسب، ولكنّ ذلك كذلك لأسبابٍ لغويّة. والتلازم بين اللغة والمستوى الحضريّ أمر بدهي. آية ذلك أن اللغة العربيّة التي أُنزل بها القرآن الكريم كانت قد بلغت في نموذجيّتها- التي اختارها الله لكتابه- ذروة عظمتها التعبيريّة، البالغة حدّ الإعجاز البلاغيّ، ولهذا- بلا ريب- تأثيره في فكر الإنسان، ونظامه العقليّ والروحيّ والحياتيّ.

لن تكون لغةٌ كتلك التي صيغ فيها الشِّعر الجاهليّ إذن لرعاع من البشر، لم يبلغوا شأوًا راقيًا جدًّا في فكرهم وذوقهم وأدبهم. وإذا لم نتّخذ مقياس الماديّات، ولا العمران، مقياسًا، أمكن القول: إن بداوة العصر الجاهلي كانت أرقى- بما لا يُقاس- من بداوات العصور المتأخّرة، فنًّا وخيالاً وتعبيرًا، وربما مجتمعًا. وليست العِبرة في هذا بالجانب العقدي كذلك؛ فالإغريق- على سبيل المثال- كانوا أمّة أسطوريّة وثنيّة، تؤمن بتعدّد الآلهة، لكنهم كانوا في الوقت نفسه ذوي فلسفة، وفنون، ومسارح، وملاحم، ظلّ العالمُ عليهم فيها عالةً إلى اليوم. وإلى جانب شِعرالعرب وأدبهم- فضلاً عن آثارهم التي عُثر عليها مؤخّرًا في الجزيرة العربيّة، ولاسيما في الفاو- فإنه يدلّ على رقيّ العرب-- الموصوفين بالجاهليّين (عقيدة واجتماعًا)-- وأنهم لم يكونوا كما نتصوّرهم عادة متخلّفين كعرب الصحراء في القرون المتأخرة، ذلك الفِكر الذي سجّل القرآن الكريم أنهم كانوا يجادلون من خلاله النبيّ والذين آمنوا، ويقاومون الدِّين الجديد برمّته. وهو ما استدعى أسلوب الحوار الاستدلاليّ أسلوبًا في مواجهتهم، واستراتيجيّة الجدال المنطقي؛ لإقناع أولئك القوم "اللُّدّ"، كما يصفهم القرآن.

ثم انحدر الإنسان العربيّ في العصور اللاحقة، وانعزلت جزيرة العرب عن ركب العالم- بما في ذلك العالم الإسلامي- وظلّت في تقهقرها، وإلى وقتٍ قريب، أي إلى توحيد كيانها الأكبر: (المملكة العربيّة السعوديّة). كما أن العرب في كثير من الدول المتعاقبة والدويلات قد هُمّشوا في معترك السياسة والاقتصاد وواجهات الإعلام، وقُرّب سواهم من غير العرب، الآتين بلغاتهم الأصليّة، أو بعربيّة مختلطة، أو عربيّة مكتسبة. وتقامأت لغة الشعب العربيّ شيئًا فشيئًا في محكيّات دارجة محليّة، منغلقة على نفسها، لا تُعبّر إلاّ عن حاجة الإنسان اليوميّة وضروراته البدائيّة. وما تحوُّل اللغة في أيِّ مجتمعٍ إلاّ مؤشّرُ التحوّلات كافّة في حياة الإنسان.

أفيأتي شاعر ورث تلك اللغة المنطويّة على واقعها، في محليّاتها العقيمة، المتواضعة نسجًا ومحتوى وقِيَمًا، ليناطح التراث العربي، بدعوى أنه سيضيف بعامّيّته إليه ما لم يستطعه الأوائل؟! "لقد هزُلت وبان هزالها!".. أو على حدّ قول (ابن الوردي، -749هـ):

قفا نبكِ مِنْ ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
لقد هزُلَتْ حتى بدا مِن هزالِها !

ولذا، لا غرابة أن نجد شعراء العاميّة الأوّلين كانوا يتكئون على الشِّعر الفصيح فيما ينظمون، إلى درجة الأخذ المباشر أحيانًا، أو السرقة الفنّيّة. ويحضر في هذا السياق- على سبيل المثال لا الحصر- الشاعر المعروف (ابن لعبون). الذي، لمّا انتُقد على بيته:

وَاقْفى مصرٍّ كنّْ جَاكاتْ شَالِهْ
جلمودْ صخرٍ حطَّهَ السيلْ من عَالْ

واعتُرض عليه بأن التشبيه مأخوذ عن (امرئ القيس)، قال: "إن امرأ القيس أخطأ بقوله: مكرّ مفرّ مُقْبِل مُدبر معًا... وجلمود الصخر من علٍ لا يكرّ ولا يُدبر بل هو مسرع في الهرب!"(1) وأردف مؤلّف كتاب "الأزهار النادية"، الذي أورد الخبر: "ولا يخلو قوله من الصواب!" وعلى طرافة قول ابن لعبون هذا فإنه لم يَبْدُ فيه مستوعبًا لصورة امرئ القيس أصلاً، وإن اقتبس لفظيًّا طَرَفًا منها، وفهِمها فهمًا ظاهريًّا، واستعملها في بيته. بل إنه قد قَلَب الرؤية إلى لوحة امرئ القيس، ربما عن قصد، كي يتخلّص من المأخذ عليه، وإلاّ فإن امرأ القيس لم يَقُل: إن جلمود الصخر يكرّ أو يفرّ أو يُقبل أو يُدبر، وإنما صوّر الحِصان بلغة شعريّة أشبه ما تكون بالرسم السورياليّ، أو قل: صوّره في لوحة أسطوريّة. وذلك ما خلق جماليّة صورته، التي تلبّث عندها النقّاد، وإلاّ فهل عاقل لا يدرك ما أدركه ابن لعبون من أن جلمود الصخر لا يكرّ ولا يُدبر؟! إنها صورة يمكن أن تُقرأ قراءتين:

1) "مكرّ مفرّ مُقْبِل مُدبر (معًا)"، وهو في كلّ هذه الحالات كأنه يتحرّك حركة اندفاعيّة واحدة، "كجلمود صخر حطّه السيلُ من علِ".

2) مكرّ كجلمود صخر حطّه السيل من علِ + مفرّ كجلمود صخر حطّه السيل من علِ + مُقْبِل كجلمود صخر حطّه السيل من علِ + مُدبر كجلمود صخر حطّه السيل من علِ..

لذا جاء في تحليل هذه الصورة في كتابي "مفاتيح القصيدة الجاهليّة"(2): إنها "تُلحظ آثار المناخ الأسطوري في عددٍ من الأوصاف التي يضفيها الشاعر على فرسه. فهو: مُنجرد. وصفة الانجراد هنا ليست بصفةٍ شكليّة، أي أن شَعره خفيف كما يرد في شروح اللغويّين، فقط، ولكن المعنى يتجاوز هذا إلى أن الفَرَس منطلق لا يقرّ، ومُجرّد، لا تكاد تحيط بمعانيه صفاته... ولذا ففَرَس امرئ القيس مِطْواع للفعل فاعل بنفسه في آن: "مِكَرّ مِفَرّ.. مُقْبِل مُدبِر معًا... كجلمود صخر حطّه السيل من عَلِ"، في تزامنٍ حركيّ متضادّ، مستحيل، لحيوان خرافيّ، فوق الزمن والواقع. وتلك صورة تعلّق بها نمط فَرَس الشاعر، حيث تتكرّر لديه، مطابَقةً على إحدى الراوايات، أو مع بعض اختلاف، كقوله:

- مكـرّ مفـرّ مُقْبِل مُدبر معًا
كتيس ظباء الحُلّب العَدوانِ.
- مِخَشّ مِجَشّ مُقْبِل مُدبر معًا
كتيس ظباء الحُلّب العَدوانِ".

وهذا معنى القول بأنه لا جديد يُرجى في الشِّعر العاميّ يُضاف إلى الشِّعر العربي. بل إن في الشِّعر العامّي تضحيلاً للشِّعر العربي، وانتهاكًا لجماليّاته، وآفاقه التخييليّة، والشاعر العامّيّ- حتى حين يحاول اقتباس الشِّعر العربي- ما يلبث أن يُحيل إشراقة الصورة، وتحليق المعنى، وتجريديّة الدلالة، إلى المباشرة، وبساطة المدركات اليوميّة، التي يمتح منها، ويستقي منها جماهير شعره، وتتناسب مع مستوى تخاطبهم الحسّيّ القريب. ولا غرو، فلكلّ مقامٍ مقال، ولكل جمهورٍ قصيدة!
(وللحديث صلة).
د. عبدالله بن أحمد الفيفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) انظر: (د.ت)، كمال، محمد سعيد، الأزهار النادية من أشعار البادية، (الطائف: مكتبة المعارف)، 10: 27.
2) (جُدّة: النادي الأدبي الثقافي، 2001)، 171، 174.


عدل سابقا من قبل ليلى ناسيمي في الأربعاء 24 ديسمبر - 4:38 عدل 1 مرات



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 24 ديسمبر - 3:15


د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي/الطفولة الثقافيّة !









لا تنفصل تربيتنا اللغويّة والاجتماعيّة عن قِيَم تربويّة أخرى موروثة أو مستوردة. ولعلّ من أبرز القِيَم الموروثة قيمتين: الاتكاليّة، والتقاعس عن العمل. ففي الأُولى تشحننا القِيَم الشعريّة بقدرٍ كبير من إلقاء التبعات على مشاجب لا حصر لها، داخليّة وخارجيّة، بدءًا من الأب والأم، فالمدرسة، فالمجتمع، فالنظام العام، فالدولة، فالاستعمار، فإسرائيل، فالعالم، فالكون.. إلخ. لكلّ شيءٍ لدينا تخريج، وتبرير، ومسؤول آخر، وحاشانا.

الطالب المُهمِل علّته في المدرس، أو المنهج، أو الوزارة، أو طريقة الاختبار. والمتخرّج، الذي يريد أن يكون من أوّل يومٍ مديرًا، علّته في البطالة، والفساد، وظروف العمل غير المرتّبة وفق مؤهّلاته وتطلّعاته. والمثقّف، غير القادر على التكيّف مع محيطه والتوافق مع مجتمعه، مشكلته في تقييد الحريّات والتخلّف العامّ، والدولة البوليسيّة، ولا سبيل له إذن إلاّ الهجرة الفكريّة أو الجسديّة، وإلاّ فإنه مسحوق لا محالة. الأنثى مشكلتها قِيَم الذكورة، والذكورة مشكلتها قِيَم الأنوثة! وهكذا في دوّامة لا تنتهي من الشكوى، والتذمّر، وعدم الرضا عن شيء.

وقد يكون في كثيرٍ من تلك الشكوى حق، والنقد مهمّ للإصلاح، لكنه يكون في كثير من الأحيان مجرّد سبيلٍ لتبرئة الذات، ليشعر المرء بالراحة، حين يرمي مشكلاته النفسيّة أو الاجتماعيّة أو الوجوديّة على كاهل آخر، ويستريح. إذ على المتشكّي أن يسأل نفسه قبل غيره: وماذا قدّمتُ أنا لنفسي ووطني؟ أوليس بجزءٍ من المسؤوليّة؟ وما الوطن والأُمّة؟ أليسا من مجموع هؤلاء الذين يُلقي أحدهم المسؤوليّة على الآخر؟

إن قيمة التشاكي والتباكي، بدءًا من وقوف العربي على الأطلال وبكائه على الديار، وانتهاء بمقولة "لا تشكِ لي لأبكي لك"، تبدو قيمة عربيّة بامتياز، مع مرتبة الشرف الأولى، وتتشكّل في صورٍ شتّى من ممارسة الفرد البسيط، إلى المسؤول الكبير، وصولاً إلى الدولة، فالوطن العربي كلّه.

وهذا ما يَؤُوْل إلى ما أشرنا إليه من بعض القِيَم الموروثة المعيقة لتقدّمنا، وأُسُّها: (التقاعس عن العمل). إذ كثير من الأعمال والمهن- على سبيل المثال- معيبة في الثقافة العربيّة. بل إن العمل اليدوي الحرفي لا يتناسب وكبرياء الشخصيّة العربيّة، ولاسيّما في الحِقَب التي عزّز المال والرفاه هذا النزوع الأصيل في الشخصيّة العربيّة. والأمر يقترن كذلك بعدم العمل الفكري أو الإبداعي للبحث الجدي عن حلول لمشكلاتنا، حتى المشكلات الشخصيّة منها، فالآفاق مغلقة، والأضواء مطفأة، وهناك جيوش ستتحمل عنا عبء التفكير والتقدير والتجهيز، وإن لم تفعل ستتحمّل المسؤوليّة كاملة نيابة عنا، في الدنيا والآخرة! حتى ليصل الأمر في أدبيّاتنا، التي نزعم أنها دينيّة، إلى تعليق الأمور كافّة على القضاء والقدر والنصيب والمشيئات الإلاهيّة.

هذه الطفولة الثقافيّة المدلّلة ترسمنا مقارنة بشعوبٍ أخرى في صورة الطفل الذي ينتظر من والديه تقديم الحلوَى والسلوَى وكلّ شيء، فإذا لم يُرضياه، غَضِبَ فكسر اللعبة، وربما فعل شيئًا بنفسه ليغيظهما، فإذا هما يتلقّيانه آسفين على ما قصّرا في جنبه.

وحتى يشبّ الطفل القابع داخلنا، أفرادًا وشعوبًا ودولاً، سنظلّ ننتظر السماء لتمطر علينا ذهبًا، وهيهات!


( عضو مجلس الشورى – الأستاذ بجامعة الملك سعود )

aalfaify@yahoo.com












[/center]


عدل سابقا من قبل ليلى ناسيمي في الأربعاء 24 ديسمبر - 5:10 عدل 1 مرات



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 24 ديسمبر - 3:23




لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

عبد الله بن أحمد الفـَـيفي /غُبار اللغة الغابرة !

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 24 ديسمبر - 4:53

مساقات
اللغةُ في غيرِ سياقِ المواقفِ الحيّةِ: غُبار،
وهي في سياقها: غيث!


في تلك الحِقب المتناوح دوحها من تاريخ البشريّة اصطرعت لغاتٌ، وتزاوجت لغاتٌ، كما هي سنة الله في كل الحياة. وكان ذلك المصطرع وذلك التزاوج ضرورة حيويّة، لا مناص منها، ولا غنى عنها. ولقد احتكّت العربيّة كغيرها باللغات الأجنبيّة، قبل الإسلام وبعد الإسلام، وفي كلّ العصور، في الجزيرة العربيّة وخارج الجزيرة العربيّة، فأفادت واستفادت، ودخلت كلمات وخرجت كلمات، وكان ذلك عامل قوّة للعربيّة وإثراء لها، أكثر ممّا كان عامل ضعف واختلاط. لا نقول هذا تهوينًا من تأثير اللغات غير العربيّة على العربيّة- ولاسيما حينما يصاحب ذلك التأثيرَ ضعفٌ في العربيّة، وحينما يأتي وأهل العربيّة منقسمون بين لهجاتهم، أو لمّا يصبح إحلال غير العربيّة محلّ العربية في التعليم العامّ وفي الإعلام أمرًا استراتيجيًّا مشرعنًا ورسميًّا. إلاّ أننا نقارن بين خطورتين، إجابةً عمّا يسعى إليه المدافعون عن العاميّة- عادة- من صرف الأنظار لدى انتقادهم وانتقادها عبر التهويش بغيرها، في نفيٍ ضمنيٍّ لتهديدها التاريخيّ للغة العربيّة والثقافة السليمة. وهما تهديدان حقيقيّان، بوصف العامّيّة رِدّة- في واقع الأمر- إلى عصور الأُميّة من جهة، ورِدّة إلى عصور الفُرقة والتخلّف الاجتماعي من جهة مصاحبة. والحنين إلى الماضي، بكل ما حَمَل، حنينٌ باطنٌ مرافقٌ للإنسان البدائي، يفور في النفوس في حِقب معيّنة، ولأسباب شتّى، وفي ظروف من الزمان خاصّة. وهو يستبدّ بالعقل ومنطق التاريخ، ما لم تكبحه سلطة العقل لدى الفرد، أو سلطات السياسات الوطنيّة الرشيدة لدى الدّول، وما لم تحاصره الخطط التربويّة والتعليميّة المسؤولة، والمنابر التثقيفية الأمينة على ترقية الجَمْع، لا على تسليته وإغوائه، والجادّة في علاجه، وإن جراحيًّا، إذا لزم الأمر، لا المطمئنة إلى تسكين أورامه وأدوائه. لذلك أشرنا في المساق السابق إلى أن اللغات الأجنبيّة تظلّ أقلّ خطورة من العامّيّات، من حيث اللغات الأجنبيّة عوامل خارجيّة، والعاميّات فَتْكٌ داخلي ومتواصل بجسد اللغة وروحها.

إن الشِّعر العامّيّ- إلى جانب إفساده اللغة- عامل توطيدٍ لبعض القِيَم الاجتماعيّة البالية، وغير الحضاريّة، ولا حتى الإسلاميّة، كالتعصّب القَبَليّ، والعنصريّة العربيّة، ومواقفنا الجاهليّة الموروثة حيال المرأة، ونحو تلك من الأمراض الاجتماعيّة، التي لا تجد لها مراتع ومنابر بثٍّ أفضل من قصائد عامّيّة.

وتيّار هذا البحر المتلاطم اليوم من غبار الماضي يتصاعد شعريًّا، ترفده، مع الشِّعر، فنون أخرى، وإن كان الشِّعر هو نسغها الأوّل وأُوار نارها الوقّادة. من تلك الفنون: الروايات الشعبيّة، والقصص الشعبيّة، وما يسمى تاريخ القبائل، وكُتب الشِّعر الشعبي، ومؤخّرًا: الأعمال الدراميّة. وتبرز في هذا العامل الأخير تلك الظاهرة من المسلسلات البدويّة المتناسلة، في رمضان وغير رمضان! وهي مسلسلات لم تعُد تروي غليلها التجاري حكاية بسيطة تصوّر البادية وحياتها، على غرار جَدّة تلك المسلسلات، مسلسلة (وضحاء وابن عجلان)، بل أصبحت تنقّب في التاريخ القَبَليّ، وأيّام ثارات العرب وغزواتهم، وذكريات العداوات، والسلب والنهب، مسمّية القبائل والأعلام والمواطن بأسمائها. وليس بخافٍ أن النبش في ذلك الماضي القريب والبعيد قد آتى أُكله من تأريث اللَّهب الخفيّ والنفخ في بقايا الجمر في النفوس. ليس هذا فحسب، بل إنها من جهة أخرى تستعيد إلى المشاهدين بعض الأفكار الوثنيّة، أو الشركيّة، أو الجاهليّة، وتقدّمها تراثًا إلى عقول جيلٍ لم يسمع بها، وذلك كفكرة عقر النوق على القبور، أو تقديم المرأة كصفقة مصلحيّة: "عطيّة ما من وراها جزيّة"، أو تمجيد قُطّاع الطُّرق وأرباب السوابق في الغزو والنهب والسلب، وإبرازهم إلى السيدات والسادة المشاهدين، وإلى ناشئة الشباب والشابّات، على أنهم أبطال العرب القَبَليّون! ولكلّ قبيلة عربيّة أبطالها، وتاريخها المجيد، منذ الجاهلية الأولى إلى آخر الجاهليات التالية! ويظلّ الشِّعر الشعبويّ حاضرًا أبدًا في ذلك كله، رافعًا عقيرته كأعمدة البيوت.

في هذا المضمار المحموم تظهر لغةٌ أخرى، ويبرز أدبٌ بديل، وتُنشر أجواء (قديمة-جديدة). فيها يُصرف الناس- حتى المتعلّم منهم- عن الفُصحَى ويُغرون بالعاميّة أكثر فأكثر. وفيها يتّجه السباق بعكس الاتجاه المعقول والمنشود، ويولّي الشاعر وجوهه خلاف ما كان ينبغي لشاعرٍ متعلّم، يُحسن قول الشِّعر بالعربية الفصحى لو أراد. إذ كان يُفترض- مبدئيًّا- أن يكون التعليم باعثَ وعيٍ شخصيّ، وتميّزٍ اجتماعيّ، وأن يصبح حامله ذا رسالة إصلاحٍ ثقافيّ وتطويرٍ لغويّ، جاعلاً من نفسه قدوة نحو الأجمل والأكمل، لا مِعْوَل هدمٍ لنفسه وتغرير بغيره للارتكاس نحو الأدنَى والأضحل! وإلاّ فما فائدة التعليم إذن؟ وأين رسالته؟ وما الفرق بين المتعلّم والأُمّيّ؟!

وفي هذا الصدد قد يعجبني وعي بعض شعراء العاميّة ويلفتني تواضعهم، حينما يُعربون عن إجلال الفصحى وأدبها، مشيرين إلى أنها نموذجهم الأسمى، الذي يطمحون إليه. غير أن ذلك يبقى وعيًا نظريًّا، ينكشف عواره حين يفعل هؤلاء ما لا يقولون، وهم قادرون على أن يفعلوا ما يقولون. ذلك أن كثيرًا منهم لا تنقصه الموهبة، ولا حتى المَلَكة اللغويّة القابلة للتطوير، ولا يُعجزه أن يصل إلى نموذجه المطموح فيه، ولكنّه الإلف الغلاّب، والضغط الاجتماعيّ الطاغي، والضخّ الإعلامي الموجّه، مع استكانة الشاعر عن قبول التحدّي، والإبداع في جوهره تحدٍّ للإلف والضغط والتوجيه!

ويأتي في نطاق تخذيل هؤلاء عن تكوين رؤيتهم ورفع سويّتهم مَن يمكر بهم- لصرفهم عن أن يستبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى- إذ يسعى إلى تفريق العربيّة شِيعًا وأحزابًا، وكيلها بمكاييل مختلفة، لغويّة وجماليّة، محتجًّا في هذا المجال بأن في هذا الشِّعر العامّي جماليّات، أيّها الناس، وفي بعضه حِكَمًا ومعاني قيّمة! وقد ذكرنا في مقالة سالفة أن الجماليّات قائمة أصلاً في كل شِعرٍ يستأهل هذا الاسم، والحِكَم والمعاني موجودة في كل لُغةٍ بشريّة، وإنما الإشكال في هذا النمط من الشِّعر هو في عربيته الفاسدة، وحمولاتها من المضامين الرؤيويّة والمرتكزات القيميّة المضرّة بالتنمية الوطنيّة.

وعليه، فإن من الحقّ القول: إن أيّ شِعر عامّي اليوم من إنسان متعلّمٍ يُعدّ خيانة للغة العربيّة، وللثقافة الاجتماعيّة، وطموحاتنا التعليميّة! لا مندوحة في الصدع بهذا وإن أزعجنا. ذلك أنه إذا كان الجيل الماضي من غير المتعلّمين معذورًا في التعبير شعرًا بلغته الميسورة، فأين عُذر المتعلّم الآن؟ والأدهى أن يكون شاعرنا العامّي معلّم لغتنا العربيّة! وأي انفصام معرفيّ ثقافيّ بعد هذا؟! بل لقد يُجيد صاحبنا لغات غير العربيّة، إجادةً كانت العربيّة بها أًولى، وربما راودته نفسه إلى أن ينظم بتلك اللغات شِعرًا، في الوقت الذي يصرّ فيه على عدم الاقتراب من الفصحى! وعندئذ ستشعر أن مثل هذا كارهٌ لنفسه، وللعربيّة، لغةً وانتماءً، بوعيٍ أو بغير وعي.

ثمّ عن أيّ جماليّات استثنائيّة نتحدّث عنها في الشِّعر العامّي؟ أم أيّ حِكَم كُبرى في الشِّعر العامّي؟ فلو جُمع كلّ الشِّعرالنبطي والعامّي في العالم العربي، بقضّه وقضيضه، ما أضاف معنى فريدًا، ولا اقترح صورة نادرة، ولا ابتكر جديدًا يُذكر فيُكبر على ما هو موجود ومكرور على امتداد تراث العرب الفصيح منذ العصر الجاهلي إلى اليوم. فليتحدّث هؤلاء إذن عن الجانب التسلويّ من المسألة، وليَدَعُوْا مزاعم الإضافات الإبداعيّة الخارقة جانبًا.
لقد كانت خياليّة الشاعر العربي القديم أرقى وأوسع وأعمق بكثير من خياليّة الشاعر العامي الآن. ولتفصيل البيان في هذا نسوق مساقنا الآتي، بمشيئة الله.





د. عبدالله بن أحمد الفيفي



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الجمعة 2 يناير - 4:27



مساقات








تعليم الجهل!










بقلم: الدكتور عبد الله بن أحمد الفـَـيفي




http://www.alfaify.cjb.net















[b][b]

[b]ويبدو أنني أيقظتُ فتنةْ..



وأن جميع أفراد القبيلة غاضبونَ.


إذن:


فمَن لي هاهنا، يا عروةَ بن الوردْ ؟


...........................................





رأينا في المساق الماضي ضبابًا يلفّ بعض الأذهان في رؤية اللغة، عاميّتها وفصحاها، عمدًا أو سهوًا. وها قد آن أن يُفهم القول: إن وجود العاميّة شفهيًّا شيء وتحويلها إلى لغةٍ مكتوبة وأدبٍ مشاع شيء آخر، مختلف. ذلك أن اللغة حين تتحوّل إلى لغة مكتوبة تصبح لغة رسميّة، لها أدبها وثقافتها واستقلالها، وتلك خطورة العامّيّات اليوم. فلا أحد ينكر أن درجات من العامّيّة كانت قائمة على ألسنة الناس على مرّ الزمان والمكان، لكن ذلك لم يسبق أن مُهّد له- في شِبه تخطيط- ليصبح أدبنا الأوّل والأكثر نشرًا وترسيخًا بين الناشئة، إلاّ في العصر الحديث. وقد استمرّ الأمر في تصاعده، ووُظّفت في سبيله كل وسائل الاتصال الإعلامي والتقنيات الحديثة، وجيّشت له جيوش.. وما زلنا ندب على هذا الدرب، لنصل إلى هاويتنا الجميلة، إن عاجلاً أو آجلاً.


إن تواصلنا مع التراث، وتواصلنا مع بعضنا، عربًا ومسلمين، وتطلّعنا إلى الوحدة والمستقبل، كل ذلك يستدعي أن ينهض التعليم والإعلام بمسؤوليّاتهما، لتقليص الهوّة التي تفصل العربي عن لغته الأُمّ، إلاّ إذا رضينا أن نُخرب بيوتنا بأيدينا!


نعم، اللغة تتطوّر، وتعصف بها رياح الحياة والتحوّلات، وتعصف بنا معها، لكن الاستسلام إلى ذلك هو ما لا أراه بحالٍ من الأحوال.


ونعود إلى السؤال الراهن مع شعراء العامّيّة، وكنّا قد ألمحنا إلى فحواه من قبل: ما دام الشاعر لن يأتي بجديد يُذكر في تجربته- لأن لغته أضعف من أن يتوكأ عليها لتحقيق ذلك- وهو في الوقت نفسه قادر على الفصيح لغويًّا، فلماذا يربط نفسه بالعامّيّة؛ فيدجّن كلمته، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويكتب على نفسه أن يصبح نسيًا منسيًّا بعد حين من الوقت؟!


ما هذا التقشّف في الطموح؟! بل أيّة خيبة إبداعيّة بعد هذه؟!


أمّا على مستوى الإنفاق في سبيل العاميّة، فما أظنّ عاقلاً في حاجة إلى أن نطيل به الحديث للإقناع بسلبيّات ما يحدث على اقتصاديّات الفرد والمجتمع. كيف وبذخ الصرف على العامّيّة وشِعرها وطقوسها قد بلغ اليوم حدًّا لا يُصدّق؟! وهذا رصيد استثماري مضاف في ميزانية التلهية والعبث بمقدّرات الأُمّة الماليّة، ينضاف إلى ما تقدّم من ميزانيات العبث بمقدّرات الأُمّة اللغويّة والاجتماعيّة والثقافيّة. يأتي تبذير تلك الأموال الطائلة في غير محلّها على الرغم ممّا يراه كلّ ذي عينين من وجوه الصرف الأَولى في بلداننا النامية، ومن ضروب التنمية المعطّلة، التي كانت بتلك المبالغ أحقّ وأجدر. ذلك أن الإنفاق على بيوت الشَّعر وقاطنيها كان أَولى وألزم من الإنفاق على بيوت الشِّعر وقارضيها! بل لقد كان غير الشعراء من المبدعين في هذا العصر، ذي الضرورات العلميّة والتقنيّة، أحرى بالإنفاق والتشجيع والدعم من الشعراء ومَن تَبِعَهم من الغاوين.. فإنْ كان، ولا بُدّ- ولن تدع العربُ الشِّعر حتى تدع الإبلُ الحنين- أفما كان أضعف الإيمان يقتضي العدل بين: (الشِّعر)، و(العِلْم)؟!


وهكذا، فإزاء كلّ السلبيّات التي تتمثّل في طوفان شعرنا الشعبي اليوم، وما لفّ لفّه من نشاطات، لا أجد بي طاقة إلى نفاق الرأي الغزالي- نسبة إلى أبي حامد الغزالي، في كتابه "ميزان العمل"- الذي بلغتْ به الحكمة، التي يُغبط عليها!، إلى القول بأن للرأي لديه ثلاثة أقسام، هي:

- رأي يشارك فيه الجمهور فيما هم فيه.

- ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد.

- ورأي يكون بين الإنسان وبين نفسه، لا يُطلع عليه إلاّ مَن هو شريكه في اعتقاده.(1)

كلاّ، ذلك ما لا طاقة لي به، لا أخلاقيًّا ولا علميًّا.

ولأن الأمر جدّ تحوّليّ، وشموليّ، في شأن نشر العامّيّة، فإنها لم تعد تكفي مدرسةُ الكبار للشِّعر العامّي بل أُنشئت مدرسة للأطفال من (شاعر المليون)- للبنات والبنين- كي تترسّخ هذه المدرسة العاميّة، لغويًّا وأدبيًّا وقيميًّا! لأنْ ربما كان الجيل الحالي جيلاً عابرًا، والنظرة المستقبليّة تتطلب استراتيجيّات استباقيّة كتلك، من أجل أجيالنا القادمة! ولا يُستبعد غدًا أن تُنشأ (مدارس أخرى لمحو العربيّة ونشر الأمّيّة!)، تخصّص للكبار من جيل التعليم الذين فاتهم الركب، حتى يعودوا للأميّة قبل فوات الأوان! يأتي هذا وفق رؤية عروبيّة ثاقبة، ولاسيما في ضوء معدّلات التعليم المزدهرة، والثقافة الإنتاجيّة المضيئة، ذلك أن معدّل الالتحاق بالتعليم في الدول العربيّة لا يتجاوز 21.8%، فيما يصل في كوريا الجنوبيّة إلى 91%، وفي أستراليا 72%، وفي إسرائيل 58 % . كما أن هناك- بحمدالله- كتابًا عربيًّا واحدًا، لا ثاني له، يصدر لكل 12 ألف مواطن عربيّ، فيما يصدر كتاب لكلّ 500 إنجليزيّ، ولكلّ 900 ألمانيّ، أي أن معدّل القرّاء في العالم العربي- عدا قرّاء المجلاّت الشعبيّة طبعًا!- لا يتجاوز 4% من معدّل القرّاء في إنجلترا. ذلك ما كشف عنه تقرير (مؤسسة الفكر العربي) السنوي حول التنمية الثقافيّة. (انظر: صحيفة "الوطن"، الثلاثاء 6 ذو القعدة 1429هـ).

ولقد آتت تلك الجهود الشعبيّة ثمارها الحنظليّة في أوساطنا الاجتماعيّة. ففي أكثر من مناسبة أحضرها- وبعضها في مدارس أو مؤسّسات تعليميّة- يحزنني أن أرى براعم تُقدَّم إلى الناس لتُقدّم قصائد نبطيّة! طفل ما زال يتعثّر في لثغة الطفولة يُلبس لبوس شاعرٍ نبطيّ، ويقدّم إلى الجماهير بصفته مشروع شاعرٍ عامّيّ للمستقبل، وزهرة من زهرات غدنا الواعد.

ما هذا؟!

يأتي فيُلقي قصيدة عجفاء لُقّنها من ذويه أو معلّميه، بكل فحيحها القَبَليّ، ومعانيها المعروفة، تارةً: فخرًا، وتمدّحًا، وتبجّحًا فارغًا، وتارة: قدحًا، وعنجهيّة قَبَليّة. والكبار يصفّقون، فخورين، فرحين بشبلهم القادم من ذاك الأسد، والصغار ينظرون إلى هذا الشبل الواعد على أنه نموذج التلميذ الطُّلَعَة، والشاعر الفحل الذي سيحتلّ بنجوميّته القنوات الفضائيّة، بوصفه فارسًا في مضمار العامّيّة المجيد، فوق كلّ أرضٍ وتحت كلّ سماء!

أنا لا أذكر في جيلي أن هذه الظاهرة كانت موجودة. والأكثر غرابة أن هذا أصبح مستساغًا حتى في حفلات المدارس الرسميّة، التي يُفترض أن تخضع لإشرافٍ تربويّ من إدارات التعليم.

فأيّ تعليم هذا؟ أتعليم العامّيّة حتى في مدارسنا؟ يبدو- عمومًا- أن كثيرًا من تعليمنا العربي هو (تعليم جهل).. وعلى أصوله!

أيّ عقل نسعى لبنائه لدى أبنائنا؟ أم أيّ تربية ملتوية بُسط لها المهاد بكلّ منعرجاته؟! أيّ تعطيل للعمليّة التعليميّة السويّة، من خلال إعاقة تعلّم اللغة العلميّة، بما يترتّب على ذلك من إعاقات فكريّة ومعرفيّة؟ أيّ نظرة قاصرة، تلك التي تسود بيننا دون سائر البشر، إلى طبيعة اللغة نفسها، ووظيفتها في الحياة، وضرورتها- من حيث هي وعاء فكرٍ وهويّة- إذ نفصل بين اللغة وبين مشروعنا النهضوي، علميًّا وتقنيًّا وثقافيًّا؟!

إنه خذلان معرفيّ وثقافيّ مُبِيْن، ظلّ العرب يَتَتَعْتَعُون في مَهَامِهِهِ مئة عام، وها هم هؤلاء اليوم يرتدّون عن كلّ مبادئهم وقِيَمهم التي تنادوا إليها قبل بضعة عقود: "من الشام لبغدان، ومن مصر إلى يمن، إلى نجد فتطوان"!

الدكتور عبد الله بن أحمد الفـَـيفي

aalfaify@yahoo.com



ــــــــــــ

1) انظر: ابن طُفيل، (1966)، حيّ بن يقظان (ويضمّ رسالة ابن سينا وابن طُفيل والسُّهروردي)، تح. أحمد أمين (مصر: دار المعارف)، 63- 64. وهو منهج ربما كانت له وجاهته لدى الغزالي في شأن التأويل للنصّ الديني؛ بل لقد عاب ابن رُشد على الغزالي إفشاءه ما يُعدّ من المضنون به على غير أهله، (انظر: (2002)، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال، تقديم وإشراف: محمّد عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة)، 113- 114)، وإنما ضربنا قول الغزالي هنا مثلاً لمن يتوسّع في تلك المداجاة حتى يصبح الأمر محض نفاق، وفي مختلف شؤون المعرفة والثقافة.
[/b][/b][/b]



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأحد 28 يونيو - 10:52

الغيمة الكتابيّة:
سجلاّت ابن عيدان.. والمجتمع المدنيّ الحُرّ !
( قراءة في تماهي الشعريّ بالسرديّ في الرواية السعوديّة )
بقلم: الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي

[ الحلقة الثالثة عشرة ]




في الحلقة الثانية عشرة من هذه القراءة في "الغيمة الرصاصيّة" للشاعر علي الدُّميني وقفنا على مغامرة سهل الجبليّ للدخول إلى مخبأ سجلاّت ابن عيدان (التي تمثّل البُعد التاريخيّ الرمزيّ وراء صراعات العصر الحاضر وإشكالاته)، ومحاولته قراءتها، حيث عَثَر على أسرار ما كان يَحدث من خصومات تفضي إلى سفك الدماء والإفساد في الأرض. وإذ يُتابع قراءته في تلك السّجلاّت، يقف على ما حَدَث من تنازعٍ بين القُرى اقتضى محاولة ابن عيدان الصُّلح بينها، بتقسيم "الدِّلالة" بين عرائف القُرى، ممّا أطرب عريفة العبادل وأغضب عريفة الينابيع، فانتهى الأمر إلى غير اتّفاق. وبذا فإن سهلاً، وقد بات في غيابة قَبْو ابن عيدان، كان قد عَلِمَ، غير أنه قد فَقَد حُرّيّة العِلْم، وإمكانيّة الحياة، لولا أن نورة جاءت لإنقاذه من هناك، مشيرةً عليه بعد أن خرج من القَبْو بأن يُلقي بنفسه في الحفرة الكبيرة التي يخبّئون فيها الجِرار المعتّقة، خَلْف عشّة عُبيد، كي يدّعي أنه سَقَط فيها فأُغمي عليه، حتى لا ينكشف أمر محاولته اكتشاف أسرار سِجِلاّت ابن عيدان.(1)

ولدى هذا يظهر حمدان عائدًا إلى القرية بدابّته الغريبة، (السيّارة). ويتّهم أهل وادي الينابيع حمدانًا بالعقوق والشطحات والأوهام. لكنّه يعتذر بأنه إنما لبّى نداءً غامضًا خرج من الشرق، وها قد تقاعد من عمله في أرامكو، وعاد إلى الوادي الذي يرجو أن يراه وقد تغيّر عن ذي قبل، مُحْضِرًا معه زوجته، مستأذنًا الوادي في قبوله وقبولها. فيُرجئ ابن عيدان الأمر للتشاور. ها هو ذا حمدان، إذن، يمثّل ربيب الثقافة الغربيّة في وادي الينابيع، السابقة الإشارة إلى أنه الوجه النقيض لدلالة عَزَّة في النصّ.

وعلى الرغم من أن كلمة السِّرّ إلى مكان السّجلاّت من قلعة ابن عيدان كان قد غيّرها الحُرّاس، كما أخبرتْ نورةُ سهلاً، فإنها قد وعدتْه بالبحث عن بابٍ آخر إليها. بيد أن القلق المتداول بينهما ظلّ على مصير (صفوان) الذي ما زال معتقلاً في مغارات ابن عيدان. صفوان الذي يمثّل في ذاكرة النصّ المعلِّم الأوّل، والمنظِّر لنصّ عَزَّة، والمبشِّر بتَحَقُّق أحلامه. فهو- كما اتّهم المحقّقُ (أبو عاصم) سهلاً- مَن فَتَح أمامه أفاق التفكير والتخييل، متسائلاً: هل هو الذي عرّفه على أفلاطون والفارابي وهيجل وماركس والآخرين، ليُجيب سهل: نعم.(2)

وإلى جانب الإرباك البنائي في تسلسل الأحداث الذي مرّ الحديث عنه في الحلقتين الماضيتين من هذه القراءة، فلقد جعل الكاتب داخل كلّ قِسمٍ من أقسام النصّ جزيئات متفرّقة، يفصل بعضها عن بعض بنجمات، لا تمثّل أنساقًا متنامية، ولكنها مسطّحات حكائيّة تفتقر إلى الترابط في كثير من الأحيان. وذلك كما فعل في هذا القِسم المعنون بـ"عتمة المصابيح، 1- سهل الجبليّ"؛ إذ تحدّث فيه عن: حواره مع أبي مريم ومريم، ثم قَفَزَ إلى مغامرته لدخول قلعة ابن عيدان وقراءة السجلاّت، ثم انتقل إلى قدوم حمدان بسيّارته إلى وادي الينابيع، ثم عاد إلى نورة للتباحث معها حول بابٍ آخر لدخول القلعة، ثم أورد الحديث عن خلافٍ نَشِب بين أهل قرية الرمليّة وابن عيدان حول ضريبة موسم الحصاد- ممّا دفع ابن عيدان إلى سدّ مجرى قناة الماء إلى الرمليّة- وأخيرًا خَتَمَ بأقصوصة تبدو متّصلة بهذا، وإنْ على نحو باهت، تروي اعتلال ابن عيدان وإيذانه بالفناء، وتحوّل موسم الخِصب والحصاد إلى موسم قحطٍ وجفافٍ في الأرض والأحياء، نتيجةَ الخلافات والانقسامات؛ ممّا دفَعَ نورة إلى أن تمارس طقوسها في دعاء جدّاتها من آلهات الخِصب؛ لعلّها تُنقذ الحال من مآل فنائه العامّ، لكنّ أبناء ابن عيدان ينتهرونها عن ذلك بغلظة، فتُغادر "مثخنةً بكآبة القحط والتراب".(3)

لقد ران الجدب على ينابيع وادي الينابيع بصورتَيه الماديّة والروحيّة، حتى ليكون الدعاء إلى العودة إلى ينابيع الخِصب لإحياء الحاضر بنور الماضي جريرةً أو محض هذيان، كما باتت تُهمة نورة لدى أبناء ابن عيدان.

ولمّا كانت آمال النور قد اشرأبّت إلى التبلّج، فإن النصّ يخطو إلى القِسم الثاني من "عتمة المصابيح"، وهو بعنوان: "عتمة المصابيح، 2- الأصدقاء (2)". ويبدأ هذا القِسم بتصوير الأجواء عَقِب حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت، ناقلاً الحوار السياسيّ والفنّيّ والشِّعريّ بين الأصدقاء: مصطفى، وجاسم، وخالد، وسعد، كاشفًا عن ذائقة مصطفى- ذي الشخصيّة القوميّة- المباشرة والمحاصِرة لمخيّلة الشِّعر، مقابل ما تكشف عنه رؤية جاسم- في جدله معه- من وعيٍ فنيّ سليم.

ثم ينتقل الكاتب إلى ما استطاع (خالد) جمعه من نصّ عَزَّة. وفيه تبوح عَزَّة بحُبّها، في مستهلّ مجلسها بين راعيات الغنم وبعض نساء قرية الشماليّة (قرية جابر). وينساق مجرى الحديث في تداعياتٍ اعترافيّة، تتشوّف من خلالها عَزَّة إلى عودة الغائب- وذلك في حضور نورة، التي تشاركها الوجد بمحبوبها، وحضور مريم، التي تضمّد جراحها وتدفئ انفعالاتها- معاقرة حالة من الغيبوبة بعد حفل الاعتراف، لا تسمع فيها ولا ترى إلاّ أطياف حمدان. يمرّ بالذاكرة- في أثناء هذا- ذلك اليوم الذي علا فيه ندبُ عَزَّة قتلاها على يدَي مسعود. وبعد تلك التهويمات التي تضمّنها ما اكتشفه خالد من نصّ عَزَّة(4)، يسوق مرويّات مولد عَزَّة الأسطوريّ، وتفوّقها الذهنيّ منذ نعومة أظفارها.

إن من معضلات هذا النصّ السرديّة أنه لا يصطنع إقناعيّة للقارئ. وهذا ناتج عن أن شخصيّة الكاتب شخصيّةُ شاعرٍ لا شخصيّة راوٍ؛ والشاعر يعوّل على اللغة أكثر من منطقيّة الواقع، وعلى الرمزيّة أكثر من البُعد الاجتماعيّ للمضامين. وهذا ما انتهى ببعض أجزاء "الغيمة الرصاصيّة" إلى مشاهد بالغة المجّانيّة، بالمعيار السرديّ؛ من حيث إن القِصّة- وإن كانت خياليّة أو حتى أسطوريّة- لا بُدّ أن تتوافر على إيهام القارئ باحتماليّة الخياليّ، وبواقعيّة الأسطوريّ. ومن شواهد هذا الأسلوب في نصّ "الغيمة الرصاصيّة" ما يرد في المقطع:



"مثل ملدوغ راح خالد يدور في موقع الخيمة وعلى الكثبان المحيطة باحثًا عن الحشية الحمراء. سأل الجيران عن خيمته الضائعة، والرمال عن كنزه، وجذوع النخيل اليابسة عن "كتاب السّجلاّت"، حتى جفّ الكلام على لسانه، وفيما كان يتفقّد الكثيب المرتفع، الذي كانت تتبدّى له خيالات عَزَّة على سفحه، وَجَدَ كِيْسًا من الجِلْد. داخَلَهُ فرحٌ طفليّ لكنّه لم يَجِد سِوى وُريقات قليلة من الجِلْد موشومة بقِصّة عَزَّة، وبعض القِطَع الصغيرة من جرار قديمة، وخرزة زرقاء في قاع جرّة تمّ تجميعها بالقطران والدِّبس."(5)



فمثل هذا المشهد، وغيره كثير، لن يستسيغه قارئ نصّ سرديّ؛ إذ يبدو أشبه بالهذيان الشعريّ، منه بالترميز والتخييل الروائيّ. ومردّ هذا إلى أن الكاتب لم يتخلّص من شخصيّة الشاعر فيه وهو يكتب نصّه هذا.

وينتهي هذا القِسم من "الغيمة الرصاصيّة" بما أشار إليه الكاتب من مشروعٍ لميثاق تعاقدٍ اجتماعيّ، وقّعه بعض المثقّفين، يدعو إلى تطوير المؤسّسات العامّة، وصولاً إلى مجتمعٍ مدنيّ حُرّ. وقد اختلف الأصدقاء حوله، فرَفَضَه (أبو أنس)، وأَعْلَمَهم أنّ له ولتيّاره مشروعًا مستقلاًّ. كما رفضه (سعد)، و(مصطفى). وفي هذا تعبير عن بعض هواجس المؤلِّف نفسه، ومواقفه من بعض التيّارات الفِكريّة والسياسيّة، ولاسيما التيّارين الإسلاميّ (أبي أنس) والقوميّ (مصطفى)، إلى جانب ما يمكن وصفه بالتيار السلبيّ (سعد). غير أن الخيمة التي كان يجتمع فيها الأصدقاء قد سُرقت في نهاية المسعَى، وضاعت معها قِصّة عَزَّة، فلجأ خالد وأصدقاؤه إلى التذكّر، واستنطاق ما بقي لديهم من شذرات النصّ، إلى جانب الجزء الذي كانوا قد بعثوا به إلى الآثاريّين للترجمة في الرياض. وكأنما وثيقة عَزَّة الضائعة هاهنا هي المعادل الرمزيّ لمشروع الميثاق الذي اختلفوا عليه وتفرّقوا لأجله.

ثم ينتقل الكاتب إلى فصل قصير، بعنوان: "عتمة المصابيح، 3- الراوي". حيث يعود إلى الراوي ليحكي على لسانه ما واجهه من صعوبات في قراءة المخطوط الذي أعطاه إيّاه جاسم، وكيف أنه، في ظلّ انقطاع (جاسم) عن المجيء إليه ومعرفة ما أسفرتْ عنه ترجمة أجزاء النصّ في الرياض، انتقل إلى الرجل المُسِنّ الذي كان قَصَدَه من قبل ليُرشِدَه إلى ضرورة استفتاء الشيخة زعفرانة. فيذهب بحثًا عنها إلى (الخَفْجي)، إلاّ أنه لا يضفر بها، فقد غادرت المدينة على "حمارتها الزرقاء!". ثم قَصَدَ (الظهران) بعد معلومة أسعفه بها "البنك" عن سهل الجبليّ، فوجد بيته قد بيع، ومكتبته قد حملتها زوجته إلى حيث منزلها الجديد، ولم يبق منها إلاّ "كرتون" صغير مليء بالأوراق وبعض الكتب، لم يجد فيه ما يفيد. سوى أنه قد عثر على دفترٍ صغير، وَجَد فيه نثارًا من مسوّدات زوجة سهل، وأطرافًا من مذكّرات عَزَّة.

لينتقل من ثمّة إلى قِسم جديد، بعنوان: "عتمة المصابيح، 4- من أوراق عَزَّة". وهو ما ستنتقل القراءة إليه في الحلقة المقبلة، بإذن الله.



د. عبدالله بن أحمد الفيفي

aalfaify@yahoo.com

http://alfaify.cjb.net



ــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: الغيمة الرصاصيّة، 142- 143.

(2) م.ن.، 46.

(3) م.ن.، 148.

(4) انظر: م.ن.، 152- 153.

(5) م.ن.، 159.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



* ملحق "الأربعاء"، صحيفة "المدينة "- السعوديّة، الأربعاء 1 رجب 1430هـ= 24 يونيو 2009م، ص8.



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 56
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: مقالات د.عبدالله بن أحمد الفـَـيفي

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأحد 20 سبتمبر - 10:22



حول الرواية الفضائحيّة في السعوديّة:


هذه روايات لا روايات فيها !بقلم: الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي






[b]aalfaify@yahoo.com



http://alfaify.cjb.net
[/b]









لمقاربة هذه المسألة ينبغي عدم فصل الرواية في السعوديّة عن إطارها العربي. إلاّ
أن ظاهرة الرواية في السعوديّة بعد 2001 جاءت طافحة بدوافع الفضح لعاملين:
الأول يتعلّق بمارد تحرّر من قمقم كبتٍ طويل، فكان تخبّطه شغفًا بالحريّة
صاخبًا، والثاني يتعلّق بمارد سرديّ، كان محاصرًا بالشِّعر والشِّعريّة،
وهو مندفع ليحظى بمقعده الروائيّ، ولو بأيّ ثمن. ولقد أسال
العاملان- مع ما واكبهما من ضخٍّ إعلاميّ فَتَحَ باب الشهرة لكلّ مَن سرد-
لُعاب أقلامٍ شتّى، بعضها ليس لها أيّ رصيد، لا معرفيّ ولا فنّيّ، في مجال
الرواية، وربما لا حظّ لها في مجال الأدب أصلاً.



وهكذا
نُشرت روايات لا روايات فيها، ولا هدف لبعضها- إلى جانب هدف الشهرة، وشرف
المنع من الرقابة، ونعت الجرأة والتمرّد- إلاّ تملّق الآخر الغربيّ، لسان
حالها: ها نحن هؤلاء لا نقلّ عنكم انحلالاً، وهذا هو معيار الحريّة
والتحضّر كما يفهمها بعضنا أحيانًا! أو ربما كانت الرسالة على نحو آخر، قائلة: ها هي ثقافتنا العربية والإسلاميّة ثقافة نفاق، ظاهرها طهوريّ، وباطنها حيواني.



ولهذه الحالة تاريخ عريق، وسَلَف صالح من أدباء التراث وفقهائه ومؤلّفيه. فلماذا نظلم حضارتنا وفيها ما فيها من تلك الصفحات المشرقة؟! فلئن
هزمنا الغربُ في العلوم والفنون والتكنولوجيا، فلا أقلّ من أن نُثبت
جدارتنا في وجوه أخرى من التفوّق، وأن نحطّم الأرقام القياسيّة في هذا
المضمار الحيويّ من تخطّي الحواجز! ولعلّنا نستطيع أن نغزوه مجدّدًا، كما غزوناه من قبل عبر عابرة القارات "ألف ليلة وليلة"، بجواريها وسيّداتها وغلمانها وعبيدها! ولهذا،
فحبّذا أن تكون المؤلّفة اليوم، أو على الأقلّ بطلة النص الروائي، شهرزاد
معاصرة كالمرحومة جدّتها؛ لأن ذلك أنكى تاريخيًّا وأدلّ على مقولة: إن
التاريخ يعيد نفسه! وتلك هي المهمّة الجليلة التي اضطلعت بمشروع البرهنة عليها مؤخّرًا إحدى الماجدات العربيات من شهرزاداتنا المحدثات!


د. عبدالله بن أحمد الفيفي



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 17 يوليو - 17:23