م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


جاسم محمد صالح/النبـــوءة

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

جاسم محمد صالح/النبـــوءة

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الجمعة 27 يونيو - 5:15

قصة قصيرة :

النبـــوءة
جاسم محمد صالح


زأر كما لم يزأر أحدٌ من قبل , وقال :

- ها أنا ذا …

أسوار المدنية كادت أن تسقط لولا أن الأيدي امتدت إليها … حيث ظل الرعب والخوف يلتهم المدنية ويوقف الأزمنة …والأوراق هي الأخرى فرت فزعة من أغصانها ...لم تجرؤ ان تقترب من الأرض … فهي تعرف ان لرجل المدنية قدمين بالغتي الثقل تدوسان كل شيء وتهشمان حجر الجرانيت ولا داعي لان أقول لكم :

أين ذهبت طيور الكناري ؟.

الفزع ذو النكهة الرمادية ابعد الأشياء عن منابتها ... وتطاير الريش وملا الأرجاء وأصبحت الطيور قطع لحم عارية , لكنها تطير خجلة … وما أشد ما كانت تعاني من ذلك .

زأر مرة ثانية تردد صوته في (سهل شنعار ) , تحركت رؤوس النخيل وتساءلت طيور الاهوار عن متطفل يبدد وحشة الصمت الموحشة التي لا أول لها ولا آخر .... لكن النخيل وبكل أصنافه كان ذكيا , ً هذه شهادة أقولها مضطراً ... نظر من بعيد الى ((أوروك)) , حيث لازال الرجل الأول يزعق ... ويزعق ... وأحيانا يمارس الزئير مثل أسد هرم , بنت عصافير الدوري في فروته عشاً .

ضحكت نخلة وتبعتها النخيل وكثر الهمس ماذا يحدث في المدينة ؟ … حيث تراكض كتاب المعبد .... وكهنته وامسكوا بالأسافين ... والرقم الطينية ... وراحوا يكتبون بخط مسماري ...أروع الأناشيد والابتهالات . وقد اعتلوا زقورة المدينة , كل واحد منهم أخذ جانبا ً وبدأ يؤرخ حركات هذا (الجلجامش ) ويتفننون فيما يفعلون … حولوا الزئير إلى تغريد وراحوا ((يدلعونه )) فمرةً صار (جلجلاً ) ومرة (مشمشاً) … ياه ما أحلى حروفك … ومع هذا فأن( جلجامش ) ظل يزعق ويزعق فقد ظن ان صوته أجمل الأصوات .

مل الجميع من الزعق حتى صار قدراً عليهم … ولكن من يجرؤ أن … ويتوقف التفكير بعد (أن) ويظل مثل ( دون كيشون ) يصول ويجول بسيف مصنوع من رمال تماسكت خوفاً لأحبا.

ـ أحد المعلمين في كتاب الزقورة … كان يعلم والتلاميذ لا يسمعون من كلامه شيئا ... فصراخ هذا ((الجلجامش )) يفوت عليهم الدرس . . ولادعي لان يغلقوا الشبابيك فزجاجها متطاير … أسمعتم بصراخ اشد هولا من الانفجار ؟ لكن معلم الفيزياء لم ييأس كان يقول لهم :

- لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه .

وكاد يكمل جملته حتى هوت عصى ((جلجامش)) إلى رأسه فهشمته ولم يبق منه شيء أمام تلاميذه الذين بدؤوا يضحكون ملء الأشداق .

- ما أروع هذا المخرج وما اشد مهارته , انه يزاوج في شريطه السينمي بين جمالية الفديو وذكاء وعبقرية البرمجة .

لم يناموا تلك الليلة من شدة الفرح , لكن طفلا واحداً ظل واقفاً في الباب ينتظر وينتظر… وينتظر ولا احد يأتي … لم يفكر به احد ولم يقل له احد : ان أباه التقى ( جلجامش ) وكانت العصا قبلة اللقاء , لم يقل الطفل شيئاً ولم يبك مثلما نحن نبكي أمام أحزاننا … كان طفلا وليس ككل الأطفال… لكنه قال بصمت :

ـ أنا لك يا (جلجامش ) .

لم يسمعه احد , حينما تنفس متنهدا , فلو حدث الذي حدث لأصاب المدنية مكروه مثلما أصاب ( روما ) يوم احرقها ذلك ( النيرون ) المعتوه .

- أسمعت برجل يزعق ليلا ونهاراً ؟ .

- انه (جلجامش ) رجل ( أوروك) المبجل .

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان, فجأة تحققت نبوءة معلم الصبيان … ونقلت العيون الخبر بصمت مشوب بالفرح, المتصارعان خارج أسوار المدينة … مثل ثورين هائجين تارة ومثل حصان طروادة … تارة أخرى, ثم يحرنان مثل بغلين , الغبار يملا السماء … حتى كادت الشمس ان تختفي الى الأبد …و مياه نهر الفرات فقدت فراتها وبدأت الأسماك تتلوى على الشاطئ الطيني , وهما لم يملا … ولم يكلا … ثلاثة أيام بلياليها… كر وفر وصراع بالأنياب والأظافر … وبالأيدي و الأرجل إنهما يتدحرجان مثل كرة مطاطية تقفز من ارض الى ارض .

- انا كلكامش .

- وأنا انكيدو.

- انا أقوى .

- لا بل انا .

- انا أطول .

- انا اشد طولا .

- صوتي أقوى .

- وصوتي اشد رعبا .

- ان (أوروك ) مدينتي .

- لا بل مدينتي .

مباهاة بين الاثنين ولكن للاشيء ولما كان المتصارعان في صراع مقدس فقد تقرر ان تتوقف كل الأنشطة , ريثما تظهر النتيجة فجاعت المدينة … لا خبزاً … ولا ماءاً , وانقسم الناس إلى فريقين , كلكامشي و انكيدووي والصراخ يتعالى الى عنان السماء وكثرت المراهنات ونفدت البطاقات ... وسعيد الحظ من يحصل على بطاقة.

فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان … دق ناقوس المدرسة … انتبه الناس جميعاً : - من الذي يقرع الناقوس هذه المرة ؟

نظروا نحو المدرسة … كانت مفتوحة ومضاءة … وهذا ما أذهلهم, الكراسي مرتبة … كل شيء جاهز … كان وجه ذلك الطفل يطالعهم في كل ركن وزاوية … إنهم يعرفونه تماماً انه (نرام ) ابن ذلك المعلم الذي هشم (كلكامش ) رأسه, قالوا له وبلغة واحدة :

- إنهما لازالا يتصارعان عند أسوار( اوروك) … ألا تعرف ذلك ؟ !! يا(نرام)

هز الطفل رأسه بالإيجاب قائلا :

- انا اعرف ذلك … واعرف الخلاص .

وحينما سمعوا الكلمة الأخيرة فرحوا كثيراً والتفوا حوله مثل سوار يحيط بمعصم وكلهم كانوا يقولون :

- كيف ؟ … كيف؟...

وكان الطفل (نرام ) يمسك بكتاب أبيه , فقد نسي (كلكامش) ان يمزقه … وقال بصمت :

- اتركوهما لوحدهما .

ووضع الكتاب جانبا ً وشرع يدرس مكان أبيه … ونسي الناس (كلكامش ) و(انكيدو) اللذين ملا من الصراع … وقررا ان يدخلا المدينة من جديد لكن المفاجأة كانت اكبر من التصور … فباب المدينة مغلق, حاولا ان يفتحاه عنوة … لكنه كان قوياً ولم يفلحا.

صرخ ( كلكامش ) :

- انا (كلكامش) .

وصرخ انكيدو :

- انا انكيدو .

لكن الصوت كان يقول نحن لا نعرفكما … زعق كلكامش وصرخ انكيدو مرة أخرى ,لكن أسوار المدينة لم تتحرك , حاولا ان يتسلقا السور لكنه كان أملس وعاليا فلم يقدرا وظلا يبكيان ويتوسلان … لكن لا احد يستمع الى بكائهما … وهناك عند بوابة المدينة علقت لوحة خشبية كبيرة مكتوب عليها بلغة مسمارية :

( من أراد ان يدخل مدينتنا عليه أولا ان يتعلم القراءة والكتابة ) .

وقتها لم يفكرا بتلك العضلات المفتولة ولا بذلك الصوت المرعب … نسيا كل شيء وظلا يفكران بطريقة يحصلان بها على ورقة وقلم .



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 20 أكتوبر - 6:38