م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


المهدي لعرج/الطريق إلى مكناس

شاطر
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

المهدي لعرج/الطريق إلى مكناس

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 30 أبريل - 3:14

الطريق إلى مكناس
كان يلزمني الوصول إلى مكناس على الأقل في الساعة الرابعة مساءً ، حتى تتاح لي الفرصة للقاء مجموعة من الكتاب و الكاتبات ، خلال لحظات الاستقبال في فندق الريف ، كما ينص على ذلك برنامج الملتقى . أنا لم يكن لدي خيار آخر غير ركوب قطار الحادية عشرة و النصف ، الرحلة من سطات إلى مكناس تستغرق في هذا القطار العادي أكثر قليلاً من أربع ساعات . رحلة أخرى متعبة ، في نهاية الأسبوع .
الذين جعلوا نهاية الأسبوع عطلة فكروا بالفعل في الترويح قليلاً عن النفس . لكن من يروح عن نفسه خلال عطلة نهاية الأسبوع ؟ جميع الملتقيات التي حضرتها تمت خلال عطل نهاية الأسبوع ، بل أيضاً خلال العطل المتوسطة التي يفترض أن يأخذ فيها الموظف قسطاً من الراحة .
ما معنى أن نشارك في ملتقى معين ؟ دائماً أطرح على نفسي مثل هذا السؤال . خلال هذه الرحلة أيضاً ظللتُ أفكر : ما جزاء السهر في الليلة الماضية ؟ من أين أمتح هذا الصبر الطويل ؟ عملٌ لازبٌ لازقٌ طوال اليومِ ، و أنزف ليلي من أجل ورقة أقرأها غداً ؟ و لكن ، الحمد لله الذي جعل هذا الحماس سلسبيلاً وماءً معيناً نستقي منه بعدما ينصرف الرعاء .. و على أية حالٍ ، فمحنةُ الكتابة قائمةٌ : ألا يجد الكاتب الوقت الكافي للكتابة ، ألا يجد الوقت أصلاً للكتابة ، الكتابة بمعناها الإبداعي الإشعاعي الخلاق الجميل . و لكن ، أيضاً لماذا نقسو على أنفسنا و أجسادنا إلى هذا الحد ؟ ما جزاء هذه القسوة في النهاية ؟ بعض الأحيان يغتنم الأصدقاء الفرصةَ و يروحون عن أنفسهم رغم أنف برامج الملتقيات . لذلك يجلبون معهم آلات الموسيقى وغيرها ، و لذلك يشهد كل ملتقى سهرات جانبية أكثر حميمية و دفئاً و كواليس . في هذه الكواليس نحفظ أحياناً أدوارنا المقبلة و نعرف حقيقة ما يتحرك في المشهد ، المشهد الذي لا علاقة له بما نراه فوق خشبة المسرح داخل القاعات طبعاً .
الزحام مساء يوم الجمعة على أشده ، الحقائب متناثرةٌ و الناس يتكدسون أيضاً في الممرات . الطريق الذي أقطعه هذا اليوم ، قطعته مراراً . لا جديد في النافذة : مدنٌ تتثاءبُ في خيالي ، حقولٌ متشائلةٌ ، أنعامٌ قليلةٌ وحرثٌ في خطر . شوارعُ صدئة . الأشياء الجميلةُ توجدُ في الذهن فقط . الزحامُ على أشده . طلبةٌ يحنون إلى آبائهم، أمهاتٌ إلى العزوبةِ ، وشيوخٌ إلى الجاه و الباه . الأرضُ تحنُّ إلى المطر ، والسماءُ إلى عيوننا . لم نعد نرى سوى أنفسنا . الزحامُ على أشده . يا آدم العظيم : نحن أبناؤك الصغار ، يا آبانا العظيم : إخواني كثيرون وفجأةً قد لا يعرفونني . وجوهٌ تصعدُ ، وجوهٌ تنزلُ . وجوهٌ تمحي وجوهاً . وجوهٌ متناظرةٌ في هذه الرحلة الأبدية . الزحامُ على أشده . الأرض ضاقت بنا الآن . و الأفق وصلناهُ . الآن سنتجهُ عمودياً . كم ثمنُ المتر المربع ؟ البورصة أقفلت على صعود المؤشر . لا شيء أكثر سعادة من تجار النفط و القار . و بعد كساد سوق الهجاء ، لم يجد الشعراء الحقيقيون ما يفعلونه . البعض انتحر بالصمت ، و البعض يهجو نفسه في أشياء تحت اسم النصوص ، قليلة الجدوى في عصر التقنية . و البعض يصوبُ كيدهُ إلى نحر البعضِ . الشعراء أيضاً فقدوا ألق العشق ، للغواني شغلٌ آخر في هذه الأيام . بعد قليل سنتحكم في أحجامنا ، سنخزن إنسانيتنا في إلكترونات ونستريح تماماً من لغة العواطف . الزحامُ على أشده هذا اليومَ ، وجوهٌ كثيرةٌ تتناسخُ في المحطات ، و أفكارٌ تتناسل في المحو ، و أنا يقظانٌ نائمٌ ، أحرسُ تعبي فقط .
بعد قليل سأنزل بدوري ، لكن دعني أحلمٌ : ماذا لو كنا جميعاً نتوجهُ إلى الملتقى ! ما أجمل هذا الزحامُ إذن ، ما أجمل هذه الرحلة ! الرحلة إلى مكناس هذا اليوم لم تكن مقررة من قبل . و لكن ، في آخر اللحظات تحدثُ أشياء كثيرةٌ . لدي التزامٌ آخر مساء يوم السبت في الخزانة البلدية بسطات ، و مع ذلك قررتُ السفر . فإذا تحقق لي أن ألتقي كاتباً واحداً ممن لم أكن قد التقيته من قبل ، فذلك سيكون في حد ذاته أمراً مهماً . نصوصنا هي التي تشهد على قيمتنا الحقيقية ، أما لقاءاتنا فشيءٌ آخر : جوهرها مكنونٌ في عنفوان اللقاء نفسه ، اللقاء باعتباره حدثاً استثنائياً لا يحدثُ إلا مرة واحدةً ، اللقاء باعتباره نهر هيرورقليطس المنفلت. هذا هو اللقاء /النهر الذي لبيتُ الدعوة لأستحم فيه اليوم مسروراً .
فندق الريف
على بعد أقل من عشر دقائق اتصلتُ بأحمد زكي ، تلميذي الذي لم يقطع صلته بي منذ حوالي عشر سنوات . يشتغل الآن بمكناس، لذلك أنبأته بالمجيء قبل السفر . الآن وقبل عشر دقائق أخبرته عبر لمسة vip . في الساعة الرابعة إلا عشر دقائق وصل القطار إلى محطة الأمير عبد القادر ، في الجهة الشهيرة في مكناس باسم " حمرية " . أخذتُ مواعيد الانطلاق من مكناس تحسباً لرحلة العودة ، و مرقتُ من باب المحطة أبتغي فندق الريف . لا وقت أضيعه أكثر . الفندق في الحقيقة يقع من المحطة غير بعيد ، لذلك لم أحتج إلى خدمة التاكسي . و على بعد خطوات من الفندق رن هاتف . لو كنتُ قريباً لذهبت هذه الرحلة برمتها مع الريح . غير أن للبعد أحياناً ما قد كان لعملية إحراق سفن طارق بن زياد ، حيث لا يصبح أمامنا سوى خيار واحد . علينا أن نكون مستعدين دائماً للاختيار في الحقيقة . ذلك هو ما يصون قيمتنا و مبادءنا .
في باب الفندق وجدت ثلة من الأصدقاء ، أكثرهم ممن كانوا معنا في أبي الجعد من قريب . و ما هي إلا لحظات حتى رأيتُ زكي يتجه صوبنا في سيارة البيرلانكو اللامعة . لم تنتظرني ، قال . قلتُ : كنتُ أعرفُ أنك ستأتي إلى هنا . ثم عرض علي أن نذهب في رحلةٍ أخرى .. لو فعلتُ لكان السفر إلى مكناس بالفعل سفراً لقضاء عطلة ، و لأحسستُ أنني بالفعل في رحلة يستراح فيها من أعباء العمل . لكنني ، كما أشرتُ سابقاً لا أتذكر إطلاقاً رحلة كانت فرصة حقيقية للمتعة بمعناها المباشر المعروف . المتعة التي يستريح فيها الجسد و يطمئن الذهن . رحلتي هذه كانت أيضاً رحلة عملٍ ، رحلة تأمل و تدبر و متابعة و إنصاتٍ ، رحلة تحقيق و تدقيق و تحديق في الممتلئ و الفارغ من الأشياء و الناس . رحلة زادها التفكرُ و رفيقها الصمتُ . رحلةٌ غايتها المودة في يوم تهطع فيه القلوب و تخشع الأبصار . يأخذ بيدي الرجل الطيب لأعرف رقم غرفتي . و مع ذلك بقيت برفقة الأصدقاء ، ألم أقل إني لم آت إلى هنا أيضاً كي أستريح ؟!
اقتسمتُ الغرفة مع الشاعر فراس عبد المجيد العراقي مولدً و نجاراً المغربي داراً و قراراً . لحظات وجودنا في الغرفة كانت عابرة . و كان ينبغي أن أكون شديد الملاحظة من أجل اكتشاف ثلاجة الغرفة و خبئها . كان يهمني الماءُ فقط ، لذلك استخرجتُ علبة بلاستيكية صغيرة من ماء شهير ، و شربتُ . في صباح الغد استنفر عمال الفندق جهودهم من أجل البحث عني . و لم يهدأ بال الخادمة حتى قبضت ثمن الماء بضعف سعره في الحانوت المقابل للفندق ثلاث مرات ! لم آت إلى مكناس إذن للراحة ، و ربما في القرن المقبل فقط سنشجع السياحة الداخلية قلتُ أو قال أحد الأصدقاء بعد ذلك .



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: المهدي لعرج/الطريق إلى مكناس

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 30 أبريل - 3:15

دار الثقافة محمد المنوني
بنايةٌ جمعت بين روعة الهندسة و فخامة البناء ، و بالرغم من أننا لم نتمكن من زيارة كل مرافقها إلا أنه حقيقٌ بها أن تشكل لمثقفي مكناس الفضاء المناسب لعقد مجالسهم و مناظراتهم . و القاعة التي شهدت الأمسية الشعرية في مساء يوم الجمعة عبارةٌ عن مسرح في كامل الأبهة و الجمال . و بقدر ما تعد هذه الدار فخراً لمدينة مكناس و ساكنتها ، بقدر ما يعد أيضاً من دواعي السرور أن تحمل اسم العالم العلامة و الأستاذ الفهامة الفقيه المحقق المدقق المشارك المؤرخ الحجة محمد المنوني عليه رحمة الله و رضوانه .
انطلقت أشغال الملتقى في ذلك المساء بتلاوة الكلمات الرسمية ، التي عادة ما تقال في مثل هذه المناسبات . و هي عادة ثقيلة على كل حالٍ ، و وقتٌ ميتٌ يستقطعُ من زمن اللقاء ، زمن المتعة و الفائدة التي ما اجتمعنا جميعاً إلا من أجلها . في دار الثقافة ضيعنا وقت الذروة ، و لذلك فعندما وصلنا إلى الأهم كانت القاعة قد فقدت أكثر زوارها من محبي الشعر . يجب أن نراهن على ربح مودة الناس وصداقاتهم ، يجب أن نراهن على حسن الإنصات إلى نصوصهم ، إلى أصواتهم العميقة ، إلى الشجى بين شقوقها و الشجن في مضايقها ، إلى الحزن الغميس في ضوضائها . لا وقت لنا نضيعه أكثر . شاعرٌ يتأبط حروفه من أقصى تارودانت أو من أكناف وجدة ، شاعرة تأتي من تخوم الصحراء ، لا تشعر بالضجر سوى عندما تجد نفسها في طابور الانتظار العقيم أن يأتي دورها كي تقرأ بالصدفة .
المهم في تلك الأمسية إذن شيء آخر . أنا في الحقيقة كنتُ في غاية السرور . كل شيء كان يجري في المسرح أمام عيني ، الكواليس أيضاً مكشوفةٌ تماماً . و في لحظة من اللحظات وددتُ بالفعل أن أقول شيئاً . أن أقول مثلاً : أنا اليوم أيها الأصدقاء أشهد أمسية عجيبة ، عجيبة إلى أقصى حدٍّ ، هل تعرفون ما معنى أن تكون الأمسية عجيبة حقاً ؟ بل هل تحسون أنتم بدوركم بوجه العجب فيها كما أحس أنا ؟ هل ستتأملون بالفعل هذه الإحساسات الغامضة ؟
الطريق إلى فندق وليلي
لما انتهت الأمسية الشعرية في المركب الثقافي محمد المنوني حوالي الساعة التاسعة ليلاً ، لم تكن ليلتنا الحقيقية قد بدأت بعد . عرجتُ على الفندق لامتصاص بعض التعب ، و لما نزلت من الغرفة للبهو وجدتهم يبحثون عني : سربُ العصافير توجه تلقاء الجبل ، إبراهيمُ يدركُ أن يداً واحدة لا تصفقُ ، و أنا الولدُ الذاهلُ تلزمني سجدةُ السهو . السهرةُ في وليلي . و كان وراءنا أكثر من أربعين كيلومتراً أخرى ، في طريق ليليٍّ . طريقٌ جبليٌّ ملتوٍ . سيارةٌ هرمةٌ ، و سائقٌ مرتابٌ بالكاد أقنعناهُ . كنا سنذهبُ مهما ارتفع الثمن .. أعشبون قطع المسافة من هولندا إلى الشعر . كنا سنركبُ مهما ارتفع الثمن .. طريقٌ يصعدُ ، سيارةٌ هرمةٌ ، سائقٌ طيبٌ ، و نقطُ تفتيشٍ عند كلِّ منعطفٍ : خفف السيرَ ... قِفْ . في طريق العودة أيضاً يدقق الحراسُ في الملامح . أتينا من وليلي . آهْ ، كنتم في الأمسية . أيةُ أمسيةٍ ، أفكرُ ؟ هل الشعرُ الليلةَ مشهورٌ إلى هذا الحدِّ ؟
صدى الذكرى
كانت مدينة مكناس بالنسبة إلي دائماً محطة عبور إلى ما بعدها ، و بالتالي قليلة هي المرات التي زرت فيها المدينة ، و شكلت منتهى رحلتي . و أذكر أني زرتُ مكناس لأول مرة في يوم ما من الموسم الدراسي : 1979/1980 ، أخذونا في رحلة مدرسية ما تزال ذكراها تعبق في وجداني بأريج الحب و الحرمان و شذى التاريخ . و في صيف 1982 بتُّ في المدينة لأول مرة : سافرتُ إليها من فاس حيث كنت أقضي بعض الأيام رفقة صديق لي . كانت المناسبة هي ذكرى المولد النبوي ، وكان صديقي عبد الرحيم العزوزي أكثر دراية مني بما يجري و يدور ، كان أفقه أكثر رحابة مما قد أعتقد . قال لي : اليوم نسافر إلى مكناس ، كن مستعداً . لم أكن أملك حيلة من أمري فكان أكثر اعتمادي عليه . في مكناس آنذاك أخذني لزيارة موسم الشيخ الكامل الهادي بنعيسى مولى مكناس . أخبار الموسم كانت تصلنا قبل ذلك ، و تغزونا في عقر ديارنا . القرويون أيضاً كانوا يحضرون الموسم للتجارة و ربما للزيارة و التسول . و كنا منذ الصغر نخاف من عيساوة الذين يأكلون الحيوانات بفرثها و دمائها و جلودها ، و يأكلون أوراق التين الهندي ( الدرق ) الشائكة ، ويتلاعبون بالنار . كان يقال لنا أيضاً إنهم يأكلون الأطفال في لحظة الهيجان . و على الرغم من أنني عرفتُ في صغري الكثير من عيساوة إلا أني لا أحتفظ لهم في ذاكرتي إلا بشيء واحد : هو فزع الناس إليهم للتداوي من لدغات الأفاعي ما بين الربيع و الصيف حينما يكثر الخشاش و يتشقق أديم الأرض فتخرج الحيات سراعاً ، ويطأ القرويون على رؤوسها و هم لا يشعرون . أنا ما زلتُ أتذكر يوماً لدغت الحية جدتي لأبي ، ذَهَبَتْْ تَرِنُّ عند بنعيسى اد لحسن ، الذي لا شك أنه " شَرَّطَ " لها ، و مص الدم الفاسد الذي اختلط بسم الأفعى . جدتي لم تمت آنذاك بلدغة الأفعى ، شفيت إذن بلمسة الراقي . كنتُ أحمل في ذهني ، كما قلتُ كل أسباب الخوف و التوجس من عيساوة و أنا أزور الموسم خلال ذلك الصيف . و في الطريق دَبَّرْنا ما يشبه المكيدة : أن ننخرط بدورنا في حلقة الحضرة ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً . ( و كنت خائفاً من شيء آخر : أن يطوح بي الشطح فيغمى علي ، كما يحدث للكثيرين ، فكثيراً ما رأيت بعضهم يغمى عليه بمجرد ما يبدأ قرع طبولهم ) ، و بالفعل شققنا الدروب إلى الضريح و تزاحمنا بالمناكب حتى ولجناه و نحن نتمايل على إيقاع الطبول و قرعها الوثني . كنتُ أتظاهرُ بالوَجْدِ و الحالِ و أتمايل مثلما يفعلون : إلى الخلف و الأمام طبعاً . و على الرغم من أنني إنما كنت فقط أتظاهر بالتواجد ، إلا أنني كنت أيضاً أخاف أن ينقلب السحرُ على الساحر في أية لحظة . لذلك كنتُ أسترق النظر إلى ما حولي و أجرب كيف أنني ما زلتُ بالفعل على صلة تامة كاملة بعالم الحس ، و أن هذا الحس هو حس الصحو الأرضي و ليس حس الصحو الصوفي ( ثمة عالمَانِ أساسيان ، على أية حال : عالَمُ الأحياء و عالم الأموات ، و لم يُسَلِّم الصوفية قط أنهم يمكنُ أن يكونوا ضحية الوهم يوماً ! ). و شيئاً فشيئاً تسللتُ من بين الصفوف حتى أصبحتُ خارج الضريح تماماً . في تلك الليلة أيضاً بتنا بين الفقراء ، فقراء الصوفية و الدراويش ، و من جملتهم بعض معارفنا من قبيلة التسول .
كانت هذه الرحلة إذن هي المناسبة الثانية التي سيتاح لي أن أبيت فيها بالمدينة . خلال السنة الماضية ، و في مثل هذا الشهر ، و خلال اجتماع له علاقة بالثقافة و الأدب بقينا في المدينة حتى المساء الأخير . لكنني اعتذرتُ للصديق محمد إدارغة لأنه لا معنى أن تبيت ليلة الأحد بعيداً عن مقر عملك بأكثر من ثلاث مائة كيلومتراً ، مع العلم أننا لسنا في زمن القطار الفائق السرعة TGV . و الذي يقول كمن فعل ، و الصدق يشع من العيون و إنما يحس به في لجة الكلام النظراءُ . لا شيء يذهبُ سدىً ، ما من لحظةٍ إلا و تستعادُ . نحنُ، مع الأسف نضيعُ كثيراً من الوقتِ في إحصاء الأشياءِ ، و لا نعيرُ اهتماماً لإحصاء كم من نظرةٍ غيرت مجرى الأنهارِ ، كم من زفرةٍ غيرت منحى الريحِ ، كم من بسمةٍ أشعلت الربيع في غير إبانه ، كم من تنهيدةٍ لم يضعها الشاعرُ موالاً لقصيدته ، كم من إغماضةٍ ليست من قذىً طارئٍ ...
الرحلة إلى مكناس هذه المرة كانت مناسبة لتجديد اللقاء بكثير من الأصدقاء . بعضهم كنت بصحبته من أيام قليلة في أبي الجعد ، وبعضهم أجدد به اللقاء بعد انقطاع حبل الوصال ، وبعضهم سألتقيه لأول مرة . و قد أشرتُ سابقاً أنني إنما أسجل شهادتي في مثل هذه الرحلات الثقافية - التي يجمعنا فيها الأدب – لاسيما عن أولئك الذين لم يسبق لي أن ذكرتُ فيهم شيئاً مما انطبع عنهم في وجداني و ذهني ، من خلال اللقاء بهم أو مجالستهم و الحديث إليهم .



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...
avatar
ليلى ناسيمي
إدارة عامـة

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 2321
العمر : 55
المكان : الدارالبيضاء المغرب
الهوايات : الأدب والشطرنج
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

بطاقة الشخصية
مدونة:

رد: المهدي لعرج/الطريق إلى مكناس

مُساهمة من طرف ليلى ناسيمي في الأربعاء 30 أبريل - 3:18

محمد علي الرباوي
من قصر أسرير بتنجداد إلى كلية الآداب بوجدة ، من الشعر إلى قلوب تلامذته و أصدقائه . للرباوي في واقع الأمر نوعان من التلاميذ ، تلاميذ في الشعر و الأدب و تلاميذ في الأخلاق ، هذا فضلاً عمن يجمع المزيتين . يعد الرباوي واحداً من أبرز شعراء القصيدة التفعيلية في المغرب ، قصيدة حاول أن يستغل كثيراً من وجوه إبداعها الفني . و هو أيضاً من أبرز الباحثين الذين تعمقوا في بحث موضوع العروض . و الملفت المثير للنظر أن هاتين الميزتين تعودان إلى فترة مبكرة من حياة الرباوي الأدبية ، كما يظهر مما دار بينه و بين الشاعر صلاح عبد الصبور في العدد 169 من مجلة الكاتب المصرية سنة 1975 ، يقول صلاح عبد الصبور : " بيني وبين الشاعر محمد علي الرباوي ود قديم إذ إنه يراسلني منذ سنين تقريباً ، من قريته بأرض المغرب العربي . و قد عهدتُ في الرباوي اهتماماً بالقيم الشكلية للشعر ، و ولعاً بمجاوزة العروض التقليدي و العروض الحديث إلى آفاق أخرى ... " .
و الشاعر محمد علي الرباوي أستاذي تتلمذتُ له في كلية الآداب بوجدة ، و التقيته في البحث والشعر قبل اليوم . و مع ذلك ، فإنه لم يكن يدري أنني تتلمذتُ عليه . و هكذا فاجأته شهادتي التي قلتها فيه مساء يوم الجمعة 11 أبريل 2008 ، في فندق وليلي في أعالي مولاي إدريس زرهون . و فيما يلي نص الشهادة :
- أستاذ الأدب المغربي الحديث ( الشعر أساساً ) ، حيث كان يحرص على تدريسنا نماذج من شعر شعراء مغاربة معاصرين ، مجايلين للشاعر ، و منهم من هم أصغر منه ، بل منهم من كان في بداياته الأولى .
- أذكر أن الأستاذ الرباوي كان يدرسنا في قاعة عادية ، قاعة كانت تمتلئ عن آخرها . وكان هو يكتب معظم محاور الدرس على السبورة . كانت العادة طبعاً أن يلقي الأساتذة دروسهم و محاضراتهم في مدرجات أو قاعات ، بحيث نادراً ما يتزحزحون عن الكرسي .
- حرصه الكبير على الوزن و الإيقاع . كان الأستاذ محمد علي الرباوي يستعين في بعض الأحيان بالنقر على السبورة من أجل توصيل ذبذبات الإيقاع . هذا الحرص هو ما أفادني بعد ذلك أنه بالإمكان التعويل على الأذن وحدها من أجل التقاط مختلف أوزان و إيقاعات الشعر العربي ، بل هو ما تحقق لدي بالفعل .
_ كان الأستاذ محمد علي الرباوي يلقي دروسه فينا و يمشي . يمشي لا يلتفتُ و لا يُلفتُ نظرنا إلى أي شيءٍ آخر . كان في الغاية من اللباقة و الحرص على أداء مهمته ، و لذلك بالضبط كان محل احترام وتقدير كبيرين . كان في الحقيقة ثالث ثلاتةٍ : هو و الأستاذان حسن الأمراني وأحمد الدويري يعاملهم الطلبة ببالغ التوقير، حتى في أحرج الظروف ( الإضرابات والاحتجاجات، و اقتحام المدرجات ) ، في وقت كانت الساحة الطلابية كالمرجل تغلي في وجدة .
- سألني خلال جلسة مناقشة بحث الإجازة ( صورة الإنسان في ديوان "الينبوع" لسعدي يوسف ) : لماذا اخترتَ سعدي يوسف ؟ كانت لدي أسباب كثيرة في الحقيقة . أجبتُ الأستاذ بما قرتْ به عينه . لكنني الآن أكتشف كم كان سؤاله ممتلئاً بالمعاني ، بالرغم من تلك اللحظة الصغيرة. لحظة أفهم السؤال على الشكل التالي : لماذا ليس شاعراً مغربياً مثلاً .
- حرصه على ضبط الشعر و احترام اللغة و الإعراب . كنت حاضراً مرة إذ جاءه طالبٌ بغرض اختيار بحث الإجازة و تحديد الموضوع . كان الطالب يود الاشتغال على ديوان أو قصيدة معينة . كانت أول خطوة في تأطير هذا الطالب أن طلب منه الأستاذُ الرباوي أن يضبط المتن المحدد بالشكل التام .
- تواضعه الكبير ، و هو أمرٌ كان يشهد به كل الطلبة . محمد علي الرباوي صاحب سمت و نهج ومنـزع في الشعر و الحياة معلوفٍ ، و لم يكن ذلك يخفى على أحد . و حتى أولئك الذين كانوا يختلفون معه في المبادئ و المنطلقات كانوا يحترمونه و يجلونه ، و قد أتيح لي أن أعرف ذلك عن قرب .
- أنا ربما كان علي أن أذكر أولاً صورة الرباوي الشاعر . في الحقيقة لم تتح لي الفرصة إطلاقاً لحضور لقاء شعري و أستمع للرباوي في وجدة . و لكن ، مع ذلك عرفته شاعراً منذ أول التحاقي بالحي الجامعي هناك . كان معنا طالب اسمه يحيى الشيخ - و لعل الأستاذ الرباوي يعرفه جيداً – هو الذي دلني على ديوانه " الأعشاب البرية " ، و كان قد صدر حديثاً عن المطبعة المركزية بوجدة .
- ثم جرت أمورٌ كثيرٌ ، و درجنا مع الأيام .. و عندما حان وقت مناقشة رسالتي لنيل الدكتوراه ، فكرتُ في أساتذتي : و كان من بينهم الأساتذان : حسن الأمراني و محمد علي الرباوي ، و كان اللقاء بالفعل يوم 15 أكتوبر 2003 ، في رحاب مدرج الشريف الإدريسي .
- لكن قبل ذلك بقليل زرتُ الأستاذ الرباوي لأول مرة في بيته العامر بوجدة . جئته بنسخة من البحثٍ ، و كنتُ أيضاً في طريقي إلى جرادة لحضور مهرجانها الثقافي . ذهب الأصدقاء إلى جرادة رأساً و عجتُ على دار الأستاذ ، كما أشرتُ . و كان من المفترض أن يحضر الرباوي في مهرجان جرادة ، فهو أحد أبرز المدعوين إلى الأمسية الشعرية . و كنتُ في الحقيقة مسروراً لأن الأستاذ الرباوي سيصحبني في رحلة جرادة ، هذا ما أكده لي عبد السلام بوحجر و إسماعيل زويريق . في مكتبته العامرة ، التي وجدتُ أحد طلبته يقلبُ بين رفوفها مستأنساً كما لو كان في مكتبة عامة . دار بيننا حديث في الثقافة والأدب ذو شجون . ثم استأذنت الأستاذ في الانصراف ، مذكراً إياه بالأمسية التي ستشهدها جرادة خلال مساء ذلك اليوم . اعتذر الأستاذ في لباقة ، لكن اعتذاره لفت انتباهي : الخوف من الطريق ، قال لي . الأهل أيضاً يخافون علي . بعد ذلك بوقت وقع للأستاذ ما كان يحذره . شيءٌ ما كان يهجسُ في ذهنه ، و كان يستشعر دهشة ذلك الحادث الذي آلمنا جميعاً .
و على أية حالٍ ، ففي ذلك اليوم التحقتُ بالأصدقاء في جرادة وحدي . كان الجو في ذروة الحر والصيف يتقد ، و وصلتُ جرادة أخيراً في هجير ملتهب إنما أبردت أحشائي منه بلقاء إخواني الذين سبقوني إلى هناك . في ذلك المساء كان محمد علي الرباوي أبرز الغائبين . و لكن ، في ذلك المساء تألق الشعراء في أمسية سيرها الشاعر الكبير محمد بنعمارة . محمد بنعمارة الذي يعد الآن واحداً من أبرز الغائبين ، عن هذا اللقاء فقط . محمد بنعمارة الذي سيبقى دائماً حاضراً بيننا بشعره الصافي و إنسانيته العميقة . بنعمارة الذي سأتذكره أيضاً كلما رأيت محمد علي الرباوي . أما و قد حضرا بيننا الآن معاً ، فيحق لنا بالفعل أن نكون في منتهى السعادة .
إدريس المسناوي
كنتُ أسمع بإدريس المسناوي مثلما أسمع بغيره ، و لما التقيتُ ابنه نفيس في ملتقى أبي الجعد الشعري سنة 2001 حدثني عن بعض الحيثيات المتعلقة بحياة والده الإبداعية . الأستاذ محمد القسيوي أيضاً طالما حدثني عن صداقته بالمسناوي . هي صداقة متجذرة ، صداقة تمتد من الطفولة إلى ما بعدها ، إلى الآن . في لقائي الأخير معه بمكناس أسر لي المسناوي أن محمد القسيوي هو الذي حبب إليه القراءة و المطالعة ، و هو الذي كان يأتيه بالكتب و يحثه على مطالعتها . و إدريس المسناوي لمن لا يعلم أستاذ للتربية البدنية و الرياضة . ولكن إنما فتح الله عليه في الزجل ، الذي راضه فأخلص له و كابد نظمه . و لاشك أنه أنزف من جهده وقواه ما لم تنفع معه لا التربية البدنية و لا الرياضة . هذا ، و قد كنتُ التقيتُ إدريس المسناوي لأول مرة صيف 2003 بمناسبة مهرجان سطات ، على هامش الأمسية الزجلية في مقهى " كازا بلانكا " . في مكناس بالكاد تعرفتُ عليه ، لكنه يتذكر جيداً أصدقاءه في سطات و يسأل عنهم ، و موقفه موقف رجل شريف . قرأ في الأمسية الأولى قصيدته الزجلية بكل حواسه و جوارحه و قواه . رجلٌ هادئٌ ، في غاية اللطف و اللباقة .

محمد إدارغة
يعود أول اتصال بيني و بين الكاتب محمد إدارغة إلى أوائل سنة 2001 . اتصل بي في أحد الأيام عبر الهاتف في شأن ديوان " عودة الخريف " ، و قد كان صدر حديثاً . و كان إدارغة آنذاك ربما أكثر نشاطاً وأشد حرصاً على متابعة مستجدات الساحة الثقافية . و كنتُ أنا في الحقيقة ، في تلك الفترة في منزلة بين المنزلتين ، أستعد للخروج من تجربة و الدخول في أخرى ، منشغلاً منزعجاً بالتنقل بين سطات و البروج ، فلم أستطع إرسال نسخة الديوان إليه . ثم التقيته لأول مرة مباشرة ، في مكناس خلال شهر أبريل من السنة الماضية (أبريل 2007 ) ، و كان أيضاً لقاءً قصيراً اعتذرتُ له في آخره عن دعوته الكريمة لي إلى بيته .
و محمد إدارغة مفعم بروح النكتة و المرح ، بنودُ البسمة خفاقةٌ على شفتيه ، سريعُ البديهة ، يرتجل أشياء و يبدع . دقيق الملاحظة نافذ الرؤية ، حديثه يشع منه الصدق و يبعث على الألفة و الاطمئنان . وخلال هذا الملتقى اضطلع بتسيير جلسة تكريم الشاعر محمد علي الرباوي في فندق وليلي ، في تلك الليلة المشهودة .
نعيمة زايد
كانت الشاعرة نعيمة زايد حاضرة معنا في أبي الجعد ، أوائل هذا الشهر ( أبريل 2008 ) ، و هناك أتيح لي أن أتعرف عليها لأول مرة . و لو أني تحدثت عنها ضمن رحلة أبي الجعد لظلمتها ، لأن لقاءنا هناك كان ناشفاً . فقد رأيت من حدتها و صرامتها و جهلي بحيثيات تجربتها الأدبية ما جعلني أكتفي بمراقبة الأمور من بعيد . قلت في نفسي : سيدةٌ لها رؤية النسر و مضاء السيف ، فلأترك السيف في غمده . و بالفعل لم يتعد تعارفنا في أبي الجعد حدود التحية ، والسلام . و يعود الفضل في الحقيقة إلى الصديق إسماعيل زويريق في لفت انتباهي إليها . يلزمني دائماً حسن الإنصات إلى كل الأصوات ، و في مثل هذه اللقاءات الثقافية فإن معرفة الأدباء و الاقتراب من عالمهم والاطلاع على حركية النشر والإصدارات الجديدة هو من أهم ما أحرص عليه . تقدير منجزهم النصي يحتاج إلى وقت آخر .
في مكناس استقبلتني بما يليق من الحفاوة و التقدير ، نظرتُ حولي فوجدت ثلة من أهم شعراء المغرب من مختلف الأجيال و الحساسيات . شعراء تملكهم هذا اليوم نعيمة زايد و أوتيت من حكمة التنظيم ما تشكر عليه . لقد استمعتُ إلى وجهة نظرها في تدبير الأنشطة الثقافية ، و رؤيتها المتميزة في الجمع و الملاءمة بين ما هو تربوي و ما هو ثقافي أدبي صرف ، و هو ما تشتغل عليه في جمعية " الأفق التربوي " . لكن أهم من ذلك كله ما كنا نراه عياناً : فقد تمكنت من أن تشرك أطرافاً أساسية في تنظيم ذلك اللقاء ، مما لا يمكن جمعه إلا بحصافة الرأي و رهافة الحس ، و حسها حس شاعرة ، على أية حال .
و في ذلك المساء أيضاً قرأت نعيمة علينا قصيدتها ، بصوتها العذب الرقيق . و مع كل ما قد أقوله في حقها فثمة شيءٌ ما يبقى حبيساً في حنجرتها . تلك الغصة الحبيسة هي التي نتوق إلى أن تفجرها نعيمة زايد يوماً ما . في مكناس ، و في خضم الملتقى الثالث لشواعر جهة مكناس تافيلالت نجحت زايد في تحقيق أكثر من هدف : إهداء الدورة برمتها إلى فقيد الشعر محمد بنعمارة رحمه الله رحمة واسعة ، وهي بادرة طيبة كريمة، أتاحت لنا جميعاً أن نتذكره و نتذكر شعره و علمه و أخلاقه مما يجمل بأبناء الجيل الحالي أن يستلهمه و يستنير به في درب الكتابة و الحياة كليهما معاً ، تكريم الشاعر الإنسان محمد علي الرباوي ، الذي كان أيضاً يستحق مثل هذه الالتفاتة . و الأمر الثالث هو أن اللقاء كان بالفعل لقاءً ضم مجموعة كبيرة من الشواعر و الشعراء ، ليس فقط من جهة مكناس تافيلالت ، و لكن أيضاً من معظم جهات المغرب .
عبد الناصر لقاح
لا أعرف من آل لقاح إلا عيسى ، كان معي في جامعة وجدة . و كان يكتب الشعر بدوره منذ سنوات الطلب بالجامعة قبل أن يغيب عني أمره تماماً . أما عبد الناصر فلم يسبق لي أن التقيتُهُ ، إنما كنتُ أسمع عنه . و كنتُ أظن أنه أصغر سناً . خلال هذا الملتقى اضطلع لقاح بتسيير الأمسية الشعرية الأولى . و على أية حالٍ ، فقد سجل موقفه و بصمته على الأمسية بوضوح لا لبس فيه . فقد نظر و بسر ، وفكر و قدر ، و قدم و أخَّر ، و فعل أشياء أُخَر . وكان لقاح رئيساً للجلسة بكل ما تحيل عليه من معان كلمةُ الرئيس ، لذلك كان البعض يقاطع كلامه بالتصفيق . و أنا أغبطه لأنه هو الوحيد من بيننا الذي أطلق لنفسه العنان و فعل ربما ما أراد ، هذا ، على الرغم من أنه لو نشط كل واحدٍ للتعبير عن جنونه و نهد كل حاضر إلى جسارته لهاج الناس و ماجوا . ولأطلت الفتنة بقرنيها على القوم و أخرج الشر أنيابه العصل ، بل و لخرج منهم علينا كل عُتُلٍّ زَنيمٍ لا يبقي و لا يذر . إنما نحمد الله أن الشعراء و إن كانوا يعمهون في غياهب الجنون فإنه تدركهم من حين لآخر ومضة التعقل .
و لم تتح لي الفرصة أثناء الملتقى لسماع عبد الناصر لقاح يقرأ شعره ، لأنني غادرتُ من الغد قبل انعقاد مجلس القراءة و الإنشاد . كما لم تتح الفرصة للحديث معه بحيث يتم التعارف بيننا أكثر ، فقد اكتفينا بالتحية و السلام رددناه بيننا أكثر من مرة . و لكن مع ذلك فقد رأيتُ رجلاً راد نفسه على البلاغة و ثقف منطقه . يرتجلُ كلامه ارتجالاً ، لكنه يجيل فيه النظر و يقلبه في نفسه . رجلٌ مطبوعٌ على الفصاحة أو يكاد ، في كلامه بعض التقعر ، لكنه لا يتكلفه فيما بدا لي . و عبد الناصر لقاح فضلاً عن صورة الشاعر التي جسدها خلال تسييره الأمسية ، وصورة الأستاذ العالم ، الذي يأخذ الأشياء من علِ و ينظر إليها من فوق رجلٌ وديعٌ ، و جليسٌ صاحبُ بديهةٍ حاضرةٍ و ردودٍ سريعةٍ نافذةٍ وَقَّادَةٍ . و هو إذا شاء جعل كلامه كله نكتاً بالمعنى الفصيح للنكت و بالمعنى الذي يعرفه عامة الناس .
عزيزة احضيه
كانت رحلة مكناس أيضاً فرصة لقاء الشاعرة و الإعلامية عزيزة احضيه . و عزيزة بالفعل عزيزة منيعة شاهقة الرؤية عميقة النظر . الحديث إليها كالجلوس بالقرب من شلال هادر ، هادر بالنبل و المودة و دفء منطق في الغاية من السحر . لما كنا بالقاعة الفسيحة الأنيقة لفندق وليلي ، كانت عزيزة وسط سرب الفراشات في الجهة الجنوبية الغربية من المودة . هناك ، لم أكن قد عرفتها بعد . دعني من تعرف الاسم ، دعني كذلك من دنيا الأنترنت . ليس الاسم كالمسمى على أية حال . قادتني إليها الشاعرة مليكة صراري ، و كأن الأمر لم يكن يحتاج إلا إلى هذه اللحظة الخاطفة . و سبحان من جعل القوة في أضعف خلقه ، عود الثقاب هو الحلقة الأخيرة في رحلة البحث عن عصر الدفء ، لكنه أيضاً يمكن أن يحرق غابة الصمت ، و هذا شيء إيجابي . عندما كنت ما أزال طالباً يافعاً قرأت حكمة لوليم بليك ، تقول : " من يحس و لا يفعل ينشـر الوباء " . و لكنني ، مع ذلك لم أنتفع بها إطلاقاً ، لأن لحظة انبثاق الفعل أشد تعقيداً مما قد نعتقد . الانصهار العظيم حدث قبل ذلك بكثير ، حدث عندما احتك الحجر بالحجر . نحن في فندق وليلي لم نكن حجراً طبعاً ، لذلك لم تَنْبُ عنا عواطفنا و أشواقنا . لو أردت أن أعرف لماذا تكون لحظةٌ ما لحظةً عظيمةً فإنني لن أستطيع إطلاقاً تفسير الأمر . تقرأ عزيزةُ علي صفحةً من كتاب الأشرار . أقول لها : أعرفُ . هل رأيتِ ؟ !
شيءٌ ما إذن يجمع الشوق بهذه الشاعرة الأنيقة التي تفوح المودة من أعطافها و يعبق أريج العشق من حديثها العذب . جمعت الشاعرة عزيزة احضيه هيبة الوقار و الجمال ، جمال نساء الصحراء و روعة الثقافة . وكأن لقاءها كان مخبئاًُ ليوم وليلي . بل كأنه كان في البرزخ ، و قد هبط إلى السماء الدنيا في مكناس ، قبل أن يتدلى إلى الأرض في غسق تلك الليلة ، في تلك القاعة ، في الأدراج ، و في البهو . بهو الفندق لما رجعنا :



لم أكن بعيدة النظر لكن الناس ابتعدوا...

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 18 أغسطس - 8:39