م ن ت د ى ال ع ش ر ة

أشرقت بحضوركم الأنوار وعمت الفرحة ارجاء الدار، داركم لانها بكم تكون الدار

منتدى العشرة يتمنى لكم مقاما طيبا
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

جمعية مغربية سوسيوثقافية 22 غشت 2007


الظلال أهمّ من كائناتها في الصحراء -جزء2-

شاطر

رضا السمين

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 5
العمر : 52
تاريخ التسجيل : 20/04/2008

الظلال أهمّ من كائناتها في الصحراء -جزء2-

مُساهمة من طرف رضا السمين في الأحد 20 أبريل - 7:16

همّ أحدهم بمشاكسة نسيان بنت علقم برغم الهزيمة وتعداد الموتى، فابتسمت في وجهه نظرةً حفّزت فيه الرغبة في الهرب والفرار حتى كاد المسكين يسقط في العموميات ونقائص الواقع. ورأيت أنّ اللحظة سانحة لتحدّثني عن المستور عقلُه...
المستور عقلُهُ، لا يعرف الواحد هل هو طفل لم يتحقّق بعدُ، أو هو الإصرار على البراءة رغم القسوة، أم هو لزوم العودة "الرّجوع لربّي"، أم هو الجيل الثاني عشر وَضَعَ "الوحي" بين قوسين وعلّق الحُكم فكاد يُقذف من علوّ شاهق. لم يكن هناك دم فقط دعاء وآلة. كلّ ليلة كان الطفل يهدهد أخته بحكايات حتّى تنام، وكلّ صباح تسأله هل تصنع هذه العجائب أم أنّك قرأتها. وحين يختلي للنّوم يُغطّي رأسه بالكامل كأنّه يحميه. في إحدى المرّات التي كان عائدا فيها من مدرسته الابتدائية وكانت تبعد عن بيت العائلة 5 كلم سأل عجوزا تحرس أرضا برّية يشقّها طريق يختصر المسافة، أن تسمح له بالعبور فأذنت له، ثمّ بدا لها بعد دقيقة أن تطلق كلبها لملاحقته وهي تقهقه، فجرى الطفل جهده والكلب يكاد ينهش ساقيه الصغيرتين لولا أن ساعدته الرّيح فأوصلته إلى حاجز التلّ الذي يفصل بين أرض الغدر والطريق السريعة، وخابت عجوز الكلب. بكى الطفل مرّة وكان في غرفته ولم يعرف لماذا يبكي، مرّة أخرى بكى لأنّ معلّمه وصديقه اعتُقل لآرائه قهرا. مرّة رابعة لأنّ صاحبته كذبت عليه فيما يخصّ عذريّتها. وتلك حكاية أخرى. إثر نقاش حادّ مع أحد معلّميه... وكان المعلّم على خطأ، بكى الطفل مرّة ثالثة أمام عناد المعلّم الغريب ومحاولة زعزعته أمام بقيّة التلاميذ ببعض النّكات، غصّ الطفل فقام وجرى مغادرا المدرسة لا يلوي حتى وصل بيته واستخرج المرجع الذي يفصل موضوع الخلاف، وإذ تأخّر الوقت توجّه إلى بيت المعلّم مباشرة فوجد الأخير قد استخرج هو أيضا مرجعا واعترف بخطئه. وليعتذر، عرض على الطّفل أحسن هديّة، أن يأخذ ما يشاء من الكتب، من مكتبة المعلّم الضخمة. لم يكن هناك مجال للتّصنّع بينهما، فأخذ حقيبتين بالكاد استطاع حملهما، يجرّهما جرّا. أغلق عليه غرفته الصغيرة وفرش الكتب على الأرض وهو يقلّبها، يشمّ ويشدّ ويفتحها فتحا حتّى هلك بين أحضانها ونام عن العشاء. سهام، نادية وجليلة، بنات المدرسة اللّواتي آثرنه كلّ على طريقتها البريئة أو الهامسة. سي محمّد، سي محمّد. ب، سي حسن. ر، آنستي منجيّة، سي حمّادي، أسماء معلّمي الدّهشة... الذين أناروا له عشق المعرفة وحبّ التعلّم ورجولة المناظرة. لم يتوقّف عن كره اللّون الأحمر حتّى قرأ تربية الجنس البشري للسنج، وكان يتلذّذ بآلام الرّأس من كثرة القراءة. أوّل أورجازم أدبي هزّه حين أحسّ برأسه تتفتّح فيزيقيّا، حقيقة لا مجازا، وقد أتمّ في يوم واحد قراءة رسالة في اللاهوت والسّياسة لسبينوزا. نوادي الشطرنج وجابر بن حيان وابن خلدون وابن رشد، أسماء الدفء في أمكنة الطفولة. كسّر متطرّفٌ أوّل لعبة شطرنج اشتراها بكلّ ماله القليل، بحُجّة "التحريم". حزينا كان في أوّل مواجهة له مع الإكراه والشرطة ولم يعترض بفعل. أحبّ الطفل اللّعب في الغابة القريبة، القفز بين الأشجار وتسلّقها، وكان يتنافس وصديقه على المشي المتوازن على ما تكسّر وسقط من الأغصان الطويلة. شاهد الطفل نفسه في منامه وقد أجّل القيام بصلاة الفجر إلى وقت الظهيرة. ولكن القيامة قامت عند منتصف النهار. فوجد نفسه أمام ربّه يحاول تبرير التأجيل.. وفوجئ بأخته التي يسامرها بحكاياته كلّ يوم، تعارض محاولته وتطلب من الإله أن لا يقبل التبرير، حاول الطّفل أن يسكتها فهو أخوها.. وهو الذي يحكي لها حتى تنام، ولكنّها لم تتراجع وألحّت بأن لا تُقبل أعذاره، وحاجج الطفل راجيا من ربّه التفهّم وقبول تفسيره والتوبة.. ربّتَ الإله على كتفيه أن لا بأس. كان يحبّ اللّعب في الشارع مع الصغار أمثاله فيُكنّونه تارة "كاوبوي" وطورا، حين يرتدي زيّ الفارس، شرائط من القصدير تلفّه وسيفا، يسمّونه فارس بني عيّاد. أحيانا يحزن حتى يكاد يتوقّف عن التنفّس، في السّاعة الحرجة من ساعات المساء. ينتظر حتى تمرّ أو يستمع إلى موسيقى هنديّة أو موزار أو بِنك فْلويد. اكتشف سورتي الضحى والعصر، وأحبّهما: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالضُّحَى 1 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى 2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى 3 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى 4 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى 5 أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى 6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى 7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى 8 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ 9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ 10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ 11}... {وَالْعَصْرِ 1 إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ 3}...
وحكايات الإنسان في الرّبع الخالي تلوّن فصول سنته ببطولات الصّحابة وقيام المدينة وعظمة فتوحات المسلمين. ثمّ يستلذّ الطفل برؤية وجهه في المرآة وبسماع السيمفونية الثالثة لبتهوفن. انتبه إلى ذكائه ذاك الذي انتحر في الغياب، قبل انتحار جسده بسنوات عشر. ثمّ صار مع الوقت كأنّه يحنّ إلى تلك السّاعة الحرجة وتشقى عليه في الآن. تغيب من الذكرى أسماء وتبقى ظلال ولحظات، والناس في تجمهرهم وتفرّقهم. في يوم ممطر خرج الطفل من المعهد، جرى نحو الحافلة المكتظّة وأبوابها المندلقة، حاول الصعود كجيرانه قبل أن يعمّ اللّيل فسقط. إغماء ومستشفى، ثمّ عمليّة جراحيّة وسبعة أشهر بلا حراك. قرأ الطفل النسيان، حركة الوقت، الفصول، ومقالات فرويد وكتاب أصل الأنواع، التغيّر، وكيف تسارع الوقت، تسارع ثمّ ضاع. وتعفّن الصيف وانحسر عن صبرا وشاتيلا، المجزرة الوحش. ولطّخته القسوة. الكمد. أضحى الطّفل يحبّ الجسور المطلّة على الأنهار، أو الشّاخصة إلى سكك الحديد، أو على جرف أو وادي أو مطار. هنا الطفل والشمس قاربت المغيب. أخبار القتل الإسرائيلي، قصف العصافير والأطفال والأشجار والعدد من النساء والرّجال في فلسطين ولبنان. والمضاف إليه في الخليج. شاهَد الطفل وضوح الشّاشة وتأسُّفَ أمّه على المساكين هناك، ولم يتبيّن ما همهم أبوه. ثمّ تدثّر بالكتب.. لا يكفّ عن التفكّر والقراءة إلاّ حين يدهمه النّوم أو الامتحانات أو الجوع. يستمع إلى موسيقى النّاي والماء والريح. بعد ذلك صار هوس الطّفل "الصّدق الدّاخلي" عند النّاس، لا ازدواجيّة لا انفصام لا نفاق. وتحقيق العدل دون البدء بالظلم. بناء دولة المغاربة القويّة والتي تحقّق لأفرادها الحرّية والكرامة. تحرير الإنسان والأرض العربيّة. توحيد الإنسان والإسلام. إعادة بناء الإنسان وفق متطلّبات مرحلتنا التّاريخية وقدرات الواقع. العمل على تحرير الإنسان من وصايا الإسرائيليات وعادة الإنقهار السّياسي واجتماع الكُرَويّات. عقلُ أسباب الهزيمة وبناء شروط المقاومة في ساحة حوار عامّة والقضاء على العنف الأفقي. تأكيد أولويّة الثقافي على السّياسي. ثمّ همّت به الدّنيا ولاحقته...، وتاه الطّفل عن أحلامه. داهمه اليومي وأسباب المعاش وأثقلته دولة القردة والنّعال. وذراع طفل حطّمها جنود الإسرائيل بالحجارة... على ربوة هناك، وسجّلت الكاميرا المشهد. ثمّ انتحار النفس أمام ضرورة توفير العيش وعناد الحمار. كأنّه بعض الحوت، ينتحر حين تحاصره الشِّباك. حدّث الطفلَ رفيق له عن أهمّية المال في التّحوّل الاجتماعي. دهش الطّفل لأنّه لم يفهم وقتها العلاقة مع الثورة. قرأ نقد العقل السّياسي لدوبريه وديمومة النقطة الصّفر. حين زار الرّيف فهم أكثر تعليم المقهورين لفرايري. وحين عرف دليلة تأكّد من حدس غرامشي والخصام مع الأدلوجة. أبو بصير وحافة البحر في الشتاء... أم القائد تشوده وسنواته الثلاث؟ قرأ في لحظة توقّفٍ ج. باطاي فأعطاه الأخير مفردات الإقالة واللّذة والتيه: "هدف الحياة ضدّ الموت هو خسارة الطّاقة"، "الشطح الشبق هدف الحيوي ومجاله"، "هدر الطّاقة هو الأورجازم"، "الجذبة ما يصبو إليه الأحياء ضدّ الموات العقلاني". ولقي الطفل مرجعيّة المتاهة.. ثمّ قرأ فوكو ونيتشه والجيل الأوّل والثاني لمدرسة فرنكفورت فزاد تيهه. أفَلت نهضة المستكفي في بلده بعد الماركسيين والقوميين وقال الطّفل "إنّي لا أحبّ الآفلين". أفلت روحه مع حركات الفكر السياسي. وأفلت طبقة متوسّطة مستهلكة معزولة أمام هجمة عولمة الرأسمال، وضاع الكلّ والفرد في طوفان الولايات المتّحدة وبني إسرائيل. نفط. والسجن الأزرق من المحيط إلى المحيط إلى الخليج. لم يهتمّ الطفل بالذكاء الكافي لـ"إنّما تأكل الذّئب من الغنم القاصية" فخسر قوّته في العزلة. "الذي يبقى كثيرا مع نفسه، يتشوّه." تقول حكمة الهنود الحمر. قرأ الكلام الأصل والمجتمع ضدّ الدولة لبيار كلاستر. شعر درويش بعد روايات المسعدي. آثار الغيم عند إشراق اليأس في إفريقيا والبلاد. حافلة بين دمشق وإسطنبول، سيّارة بين الصحراء وبغداد. طريق مثلّجة وطبيعة شاهقة، وأخرى رملٌ صهدٌ ونار على نار. القاهرة كأنّه سقط في العمق. أبو ظبي بعضُ وطن وقليل من الحريم، نهاية العربية وترف الإسقاط. أثارته رؤية قناة البوسفور والمياه المشتركة بين آسيا وأوربا بلا أعمدة. قنوات البندقيّة بلا تاجرها، شباب وموسيقى متحرّكة وماء. غيم باريس وهندسة الشوارع بأسماء علمائهم والأدباء. مرسيليا مستنقع الموانئ، ومرفأ مزيّف. الرّباط وأحياء القصدير وتجاور الحديث الغريب والقديم الأرعن. القيروان أطلال عظيمة لحاضرٍ رماد؟ وفي الجزائر ما زال الاستعمار لغة و"الحقرة". "شِبه-شِبه" مدينة تونس، شعراء المورطان وجهة طرابلس الغرب. ونساء كالمدى.. نجوى العشق والمرأة الأولى، فاتن الصمت، أميرة الرومانسية، وسيلة الهوى، نورشان الفرح، أجداس عذراء فارس، ميريال والفنّ، باولا الشبق، أنجليك السّواد، لطيفة الحنين، إيزابيل الغوص. وإسعاف الذّاكرة بدليلة ومفيدة. الأولى جمال ناهد وأنوثة ودمع أزرق وحنان. والثانية جاذبية الطفولة التي تعود وفي النّفس منها حضور. الأولى خانت غرامشي والثانية خانت الصحراء. كان الطفل ينبش بأظافره داخل الرّحم. أو كأنّه جُبِلَ من طين. "ملحمة" سقوط الآلهة لفاغنر، والمسرح الاحتفالي، وأغاني ترايسي شابمان، وكلمات ولوحات، وبقايا أغنية مهشّمة: "لا ملجأ يا خِلُّ يؤويني. ولا التراث الملاذُ. ولا حتّى الصّداقات القديمة. لا حبّ ولا فرح. لا أمل ولا حلم. ولا حتى داعٍ لموتي بات يبغيني. واللّيل من حولي استبدّ ظلامه الدّامي. غراب أنا إذا جنّ الليل" لشاعر من القيروان لم أعرف رسمه؛ "حاصر حصارك لا مفرّ. وإذا سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوّك لا مفرّ"، "وإن كان لا بدّ من عصرنا. فليكُن مقبرة. كما هو. لا مثلما تتجلّى سدوم الجديدة"، "ومازال في الدّرب درب. ومازال في الدّرب متّسع للرّحيل" لدرويش لنا؛ "أيّوب صاح اليوم ملئ السماء. لا تجعلوني عبرة مرّتين. مرّتين" بصوت مارسيل خليفة؛ وصوت مُظفّر المجروح يفضح البذيء في واقع الزمن المُرّ، "القدس عروس عروبتكم".. "أنا ما هُنتُ في وطني. وما نكّست أعلامي. وقفت بوجه ظلاّمي. يتيما عاريا حافي" لسميح القاسم؛ "أنا الفقير إليك يا ربّ وأنت عنّي غنيّ. والضعف فيّ أصيل وأنت الرّبّ القويّ. يا الله لولاك كنتُ هباء يا ربّ. أو فاسقا أو شقيّا. والمرء من غير دين يا ربّ لم يسوَ في الكون شيئا. معايبي ليست تخفى. لكنّ عفوك أوفى. يا الله يا الله. وإنني رغم ضعفي أرى الكبائر حتفا. أحيا بروح طموح. ملأى رجاء وخوفا. تطير تسجد. تسجد تسمو. وتحتسي النّور صرفا." لواحد من المتصوّفة الزهّاد. ودور المفكّر والبناةُ من المستضعفين في هكذا كان يا أخي لعلي شريعتي. ومفاهيم عبد الله العروي ومغاربه. لوحة "النسيان مستحيل"... وقرَع الطّبل خلف صوت فيروز. ميمونة تعرف ربّي وربّي يعرف ميمونة.. ثمّ كانت الحرب وتجدُّد الصليب وظهور الأحبار الأخير. الفساد والقتل والنّهب والظلم. ظلمات من ورائها ظلمات.
المستورُ عقلُه يهرب دائما لأطراف الجسم. في الحقيقة طرف، جزء بين الظلّ والإباحة. الرّغبة لساعة من الوقت فيما لا يُعرَض بل يشير، الهامش أمام نظره كلوحة... رسالة طفليّه مخطوطة حدّدت مسار الطريق والوادي. رؤية خاطفة لامرأة وامتلاء، رسالة فلقاء، تواعد وموت. ورقتان مائيتان حدّدتا وجهة الطريق. موسيقى آبيتاف، وناس الغيوان. وفيّا لعادته العلنيّة سافر الطّفل. "حمد الله ع السّلامة، يا جاي من السّفر". ورقصت الفساتين المُهملة لنجاة. ثمّ قارَب هامش الشرب. قلب معروض على حافة الحانات وإهانة تُقبّل نافذة البحر. التّغيير تمّ في غفلة من عقله، أو هو الانزياح والانزلاق... يتمشّيان على طول سكّة الحديد، في تلك السّاعة من اللّيل، على أطراف المدينة، غادر حاميّته، لم يفهم الإشارات ثمّ شاهد صورا، دخل بيتا ورأى ما حدث. ديجور ظلم. شفتان حربيتان. ثمّ سامح حتى جُنّ. رائحة كريهة واستقبال. جاءه الصّوت والنّاي من غبار القرون. راح يرتكب خيالات تعوّضه عن التفكير الشقيّ والفعل الجماعي والأخلاق، بناءات وهميّة لا سند لها سوى سحر الطفولة والهوس، وواصل عدّاد القتلى في التلفاز دورانه، والذين سقطوا ولم تلتقطهم الشاشة وزاد التوسّع والكمد، وتأسّفَ الجمعُ كبصقه في تراب. ويهشّ القوم على الرّمل بصبرهم عساه يصير حديدا. وما قرأ الحمار أسفار حِمله. المستور عقلُهُ حوّل هو أيضا الدّم ترابا، وأطعمَ به جموع الخمر والرّقص والكروان. وحمل هذيانه قربانا خالصا من النّحاس. وصارت نفسه تائهة عن أنفاسها، والبرد من الخلف ومن الأمام. الكارثة عند العرب لا تولّد المعرفة، بل الانتظار. تهميش العقل بعد وضع "الوحي" بين قوسين، ضياع الحسّ وارتكاب السّكرة.
ترفض أيّام المستور عقلُهُ أن تفصح عن سنوات ثلاثة خَلين، مسحها حدث ما... ثمّ اتساع الهوّة والعيش في هوامش الخمر والمضاجعات الإباحيّة وجدل المقاهي مع قِحاب اللّيبراليّة الجديدة، وهدر أكثر الوقت الباقي بين مشاغل الهمّ المالي والقمار والقرف. شُحّ القراءة برغم مواصلة شراء الكتب ثمّ بيعها في سوق الخردة. موات شبه كامل لحسّ المسؤولية والواقع على جميع الأصعدة. انتشار جرثومة التخيّل الدّنيء والسّطحي كممارسة يوميّة، والغوص في مخالطات يومية مع أرذل القوم والغثيان وبذاءة القاع. قَيْلولة النّهج. أجنحة النفس الطيّبة تذكّره بسورة العصر عند السّاعة الحرجة، تحاول بعث الرّماد ودفع النّبض رغم الصقيع، "إلهي أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان". ثمّ تمضي السّاعة الكَتوم، ويستمرّ نزيف الطّاقة في مخالطات يومية مع رعاع القوم وطغامهم من الثقفوت. نخبة كحيوانات منوية بلا حراك، نسبة خراب في دوران التخبّط، أخدود بين رؤية الجثّة لنفسها وبين العمل، فرديّة الوسخ تسخر من معركتها مع العوامّ. دكّان من النّخاع خسفت به نظرة تهكّم. شلل العالة ولا نفعَ الدّرس الألف ولا النّصائح ولا أصواته الدّاخلية ولا شيء. باع عزّة النّفس ببقايا عتهٍ قديم. نزل في الرّفس ثلث عمره، تناقض مستمرّ بين القول والعمل، صخب عنيف يقطّع أيّامه، يجري وراء عقب سيجارة، نفاية قلب على حافة الطريق وحانة. يصرف أيّامه كأنّها جمرات تحرق لامبالاته. العقل متناثر والصراصير من الخلف ومن تحت، الضفاف ملأى بالدّود وابتسامة الأعماق السّوداء. ينزف كلمات وكُحّة. من الخيال التافه إلى الآلة المثقوبة ومنها إلى الخيال التافه. هدر الوقت والطاقة والكرامة. يدفعه الارتباك إلى جاذبية الحافة... وحين يتساءل كيف سقط إلى هذا الحدّ؟ تراوده السكّين عن "أخلاقيّة أوديب". تتلوّى السكّين أمامه على ألسنة الضوء والضجيج، تعكس قسمات وجهه كأنّها تلحّ بالانطفاء، لو أمسك بها بعنف، تُرى من أين سينتثر الدم؟ لمعان السكّين ووفرة هدوئها يدعوه، ينظر إليها موضوعة على الطّاولة أمامه وتنظر إليه، يكاد يتمدّد نحو إغوائها، الحلّ كلّ الحلّ فيها.. لا حلّ آخر. وتذكّر سورة الضحى تردّ عنه العِدى والعُقال. تروّح عنه ساعة بعد ساعة. والموؤود على كِبرٍ يمشي كمحنة بين الناس. مُرّ وعلقم. من صيرورة التّهميش إلى آليات التشرّد. لماذا أضاع شعرة الحياء وكرم النّفس؟ كيف تحوّل إلى حشرة تترنّح بين السُّكر والحاجة؟ يصرخ الطّفل "أرني الطريق أيّها الوعد". يريد أن يكون. عزّة النّفس. إكراما لنفَس المقدّس فيه. يفهم من جديد كأنّه الكشفُ، الإمكانَ العبقريّ في "كلّكم مسؤول" المسؤوليّة الفرديّة والسّؤال الجماعي معا، وحكمة "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". جاذبيّة السّكر تراوده عن نفسه، وآلة القمار تكشف له إباحة ثقبها وليل الحاجة والفقر يشوّش عليه أيّامه. سكَبت عليه الحُرقة نارها... من الصّعب إعادة البناء بعد السنوات الطوال في تكوين النفس ثمّ في تحطيمها. في المرّة الأولى براءة الاكتشاف تحميها وتمرّد الشباب يدفعها والمعرفة تتفتّح أفقا وطُرقا.. في المرّة الثانية يأس الكهولة ينخرها وبؤس التجربة يثبّطها ونزيف الفكر والجسد ينهشها. أرني الطريق أيها الوعد. أليس "النضج" أفق الممكن؟ وإعجاز "ما زال حيّا" دافعا؟ وضربات التجربة قوّة؟ لكلٍّ تحدّيه... لا تتعثر أيّها الطفل في الغفلة، لا تكُن طمثا في الوَحل، لا تكُن نفاية القاع. لا عبث في الكون. وقصّة من نور: من يلتفت إلى الوراء ينقلب إلى صنم ويُمسَخ. اهتزّت النفس اللوّامة فسافر الطّفل إلى مكوّنات العلم والفطرة فيه وصلّى. "يا من لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، أرني الطريق أيّها الوعد، ولن أفارق طريق الكتاب ورسالة القيروان: توحيد الله وقيام الإنسان في المدينة."
نظرتُ نسيان بنت علقم وهي تتأمّل نداء المستور عقلُهُ كأنّ ضربة كتابة زلزلت عمقها، وهمست كأنّها تخاطبه {... خذ الكتاب بقوّة }، ولم تعد ترى الجيرة أو تسمعني. تحرّكتُ أسأل الحوار والصُّحبة فإذا المدينة وسكّانها وأصواتها وأشباحها والمصالح المتعارضة فيها وهاماتها، خبرُ آحاد.

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 21 أغسطس - 17:49