د.جودات عضو شرفي


   العمر : 39 سجّل في : 10 أغسطس 2008 عدد المساهمات : 6
 | موضوع: تقديم الشاعرة البحرينية الكبيرة السبت أغسطس 23 2008, 12:21 | |
| تقديم الشاعرة البحرينية الكبيرة
يمكن فهم السياق اللغوي لإنتاجية النصوص في الأدب الشعبي كما ستوضح المقاربات والمباحث المقبلة ضمن السياق المجتمعي للغة في جماعيتها التي تبرر وصف محمد الحبيب الفرقاني مثلا حينما يصف نوعا من الآداب والفنون الشعبية بأنها تتميز "بالفطرية الذاتية والطبيعة الأصلية" وهي "تحكي الإنسان كما هو من ذاته. وتنقله كما هو في أحاسيسه وعواطفه الداخلية. وفي علائقه مع الآخرين" [1].
إنها سلطة الجماعة التي يفسرها سياق البعد اللغوي مع رولان بارث حينما يتحدث عن إنتاجية اللغة الإبداعية، وحسب هذا التعبير الوصفي الذي يقدمه محمد الحبيب الفرقاني هو "ما جعل هذه الآداب والفنون متلصقة أشد وأعمق التصاق بحياة " [2] المتلقي الذي تنتج من أجله. وعلى رغم السلبية الإبداعية التي يحددها البعد التأويلي لهذه العملية من وجهة نظر إنتاجية الأدب، فإن مقابلا إيجابيا يطفو على سطح هذه القضية وهو صدق التعبيرية الجماعية التي يحملها هذا الإنتاج الجماعي والجمعي وصدق محموله الدلالي، بحيث يجعل هذه الآداب" مشحونة الدلالة قوية المعنى عميقة المضمون. تعبيرها عن أوجهها ومضاربها المختلفة المادية والروحية والعاطفية تعبيرا أمينا" [3].
وهذا بحق دخول في مناطق إنتاجية مختلفة عن الفردية الإبداعية التي ينتجها المفهوم الحداثي للإبداعية باعتبارها تأسيسا لعوالم مختلفة وفضاءات إبداعية غير متناسخة، بحيث تتأسس هذه الإبداعية الجماعية – بما يخوله لها السياق المجتمعي العام – في إطار "الأداء والتبليغ" [4] و"الأمانة" بعيدا عن مفاهيم "الخرق" و"الانزياح" [5].
إن طبيعة عمل بهذه الصفات كان من الطبيعي أن يشكل في حد ذاته "ذاكرة جماعية" و"نصا علويا" يتداوله الناس ويرقى إلى مستوى المثل السائر، وهذه حقيقة تؤكدها الجموع الملتفة حول هذا الإبداع، خصوصا في الشرق العربي الذي احتفظ بالطقوس العربية التي تبئر الشعر وتجعله ذاكرة جماعية لها دلالات إبداعية وأنثروبولوجية لايتسع المجال لذكرها، وهو أمر ينطبق أيضا على عدة مناطق بالمغرب أيضا بحيث يستشهد الناس في مجمل أقوالهم بقيم الشعر الشعبي كنص علوي. ولا غرابة في ذلك مادام هذا الأدب تعبيرا عن أوجه الحياة "ومضاربها المختلفة المادية والروحية والعاطفية تعبيرا أمينا"[6]، ومادام يرفع "قدرتها على الأداء والتبليغ إلى مستوى الأمانة والأصالة" [7]. الشيء الذي "يضفي عليها طابعها الشعبي ومسحتها الفطرية الجميلة، وقوتها المؤثرة والساحرة" [8]. لذلك يلتف المجتمع عموما حول الأدب الشعبي الذي يحمل كل هذه الصفات لأنها مصدر استمرار وتعبير ووحدة، ولأنه انعكاس صادق وحقيقي لحمولة البنية التحتية، وتنميق وتجميل لها في شكل إبداعات تحمل صفة الجماعية، الشيء الذي يجعلها أعمالا متشابهة "من خلال تبادل عوامل التأثر والتأثير، مما يعطي للفنون الشعبية أبعاد الاتفاق والانسجام بما يوحدها أو يوحد بعض مظاهرها على مدى رقعة الوطن العربي" [9] … كما أنها إنتاجات تتوحد في "أصالتها، أي أصالة إبداعها، باعتبار الأصالة عنصرا جماعيا أو عنصرا موحدا أو وحدويا في الفنون الشعبية وما إليها من ألوان التراث، لا يمكن ربطه بالفردية، علما بأن المبدع الأصيل لا يعتبر كذلك إلا إذا كان يعبر عما تحسه الجماعة لتلتحم به وتتجاوب معه، تحفزا من مقومات معينة ومحددة، ولا تكون هذه المقومات إلا كامنة في وجدان الجماعة وفي تمثلها وذهنها وفكرها؛ …"[10].
إن هذا الوصف الذي يقدم من داخل الأدب الشعبي ومن دارسيه، هو الذي يفسر شهرة شعراء يبدعون هذا اللون من الشعر في فضاء التلقي العربي أمثال ضيفتها الغالية :
فنصوص الشاعرة هي أولا وقبل كل شيء تعبيرية ملموسة تدخل وتتوحد مع إنتاجية المتلقي، ولا تأتي من عل، وهي بساطة إبداعية تعبر عن العمق في آن واحد [11]،
أن إبداع الشاعرة نتاج فضاء ومشاهد وتعبيرات جماعية تشترك في مقيل يحسه المتلقي ويعبر به متلق/منتج، يشترك وينخرط في ذاكرة جماعية يحسها المتلقي بكل عمق ملموس، وهي تتقمص دور الشاعر الشعبي الملتحم بجمهوره، والذي لا يعرف الطلاق الذي يعرفه الشاعر الرسمي مع الجمهور، لأن الشاعر الرسمي يبني طقوسا كتابية فردانية تجعل كل قراءة مشروطة بشروط إمكان معرفية وإبداعية لا تخول لأي كان أن يدخلها،
والشيء الذي يجعل الشعرية الشعبية في توحد مع الجمهور هو أنها إبداعية داخل المجتمع وتعبيرية خالصة عنه، وتوحد يجعل البكاء والفرح صفات مشتركة بين المتلقي ومنتج النص.
إن هذه الإبداعات الشعبية (وضمنها نصوص الشاعرة الكبيرة) تملك سلطة خارقة – بصدقها وتعبيريتها – في التأثير على المتلقي الذي وصفناه على لسان أحد المهتمين بالمدمن على "السماع"،
لأن هذه النصوص تملك سلطة خارقة على المتلقي لأنها كتابة الجماعة، وتعبيريتها لا ينفرد الشاعر وحده بصياغتها ؛ كما توضح النماذج النصية و استراتيجياتها التناصية التي تحكمها سلطة الذاكرة الجماعية.
[1] الآداب والفنون الأمازيغية/ضمن أعمال الدورة III للجامعة الصيفية بأكادير ص 164.
[2] المرجع نفسه ص 164.
[3] المرجع نفسه ص 164.
[4] المرجع السابق نفسه ص 164.
[5] انظر بنية اللغة الشعرية عند جون كوهن.
وهذا بالطبع ينطبق على المضامين النصية، وهي مضامين لا تخلو من خرق إبداعي على مستوى المجازات اللغوية والصور الشعرية.
[6] محمد الحبيب الفرقاني ص 164 المرجع السابق.
[7] المرجع السابق نفسه.
[8] محمد الحبيب الفرقاني ص 164 المرجع نفسه.
[9] عباس الجراري. منشورات النادي الجراري. بقايا كلام في الثقافة. ص 102. ط 1999-1.
[10] منشورات النادي الجراري. بقايا كلام في الثقافة ص 102.
[11] وتلك صفة الأدب الشعبي الذي يتميز بعمق الدلالة والتجربة الإنسانية على رغم البساطة التي يتقدم بها في كثير من نصوصه. |
|